ربما تكون الأحداث التي جرت في سوريا عام 1919 مرآة سبقية للوقائع الحالية، إذ يمكن للمقارنات أن تثبت التشابه، بين ما عاشه السوريون آنذاك، من قلق التحولات، والخوف من الأخطار، وما يجري الآن، بعد أن أسقط السوريون نظام الإبادة الأسدي.

ففي كلتا اللحظتين، عاش أبناء البلد تغيرات سياسية كبرى، بين التحرر من سلطة الدولة العثمانية المنهارة، بعد الحرب العالمية الأولى، والانفكاك من سلطة الأسديين، بعد ثورة استمرت 14 سنة، إذ نلاحظ أن حوامل الواقع تتقدم بوجود مشاريع الاستقلال والتحرر الوطني، وكأن ثمة قرنًا كاملًا انقضى، من دون أن يشعر السوريون بمروره، إلا من خلال الكوارث السياسية التي انعكست على حياتهم قهرا وتشردا.

تدخلات إقليمية ودولية شتى، تصارع أصحابها في تلك السنة، للظفر بسوريا كثمرة ناضجة. فظهر في الواجهة التنافس البريطاني والفرنسي، الذي يعرفه الجميع، وجرى تدوين تفاصيل ونتائج مساراته عبر اتفاقية سايكس بيكو.

والآن، تظهر في المشهد قوى مختلفة كروسيا والولايات المتحدة، وقوى إقليمية كإيران وتركيا، وأيضًا قوى أخرى كالسعودية بما تمثله من حالة ركنية للقوى العربية. ولا يجب نسيان إسرائيل كلاعب مؤثر أيضًا!

ورغم أن آمال البلاد بالحرية انتهت في العام 1920 بالوقوع تحت سلطة الاحتلال مجددًا بذريعة الانتداب الفرنسي، إلا أن ذلك لم ينهِ أحلام السوريين، فقد استمرت نضالاتهم بعد ذلك، أكثر من ربع قرن، وانتهت إلى لحظة الاستقلال في العام 1946. فالطموح الوطني لم توقفه سياسات القمع، التي انتهجتها سلطة الانتداب، ومثلت الثورة السورية الكبرى في العام 1925، مثالًا أمميًا، عمّا يمكن للقوى الشعبية أن تفعله في مواجهة القوى الاستعمارية.

وبعد مئة سنة، لا يزال جوهر حلم الاستقلال يجول في الرؤوس، ليل نهار، إذ يسأل السوريون المنتصرون، ضد أعتى الديكتاتوريات عن الفرق بين مستعمر غريب ومستعمر محلي! ولا ننسى أن ثمة من قال، خلال المواجهات مع الأسد المجرم، إن انتدابًا دوليًا قد يكون حلًّا لواقع حال البلاد، التي عادت في كل جوانب العيش فيها، إلى مستويات صفرية، ولا يخلو المشهد الحالي من بعضٍ يطالب بوصاية دولية، بحجة حماية الأقليات!

فكرة الاستقلال لا يمكن أن تنهض، في ظل الفوضى وغياب مؤسسات الدولة. وهنا تتشابه اللحظتان التاريخيتان، في محاولة القوى المسيطرة العمل على إنهاء الفوضى، والبدء بتفعيل مؤسسات الدولة، وإحلال الأمن والمضي نحو الاستقرار.

لكن هذا لا يبدو كافيًا من دون وجود حوامل محلية كالقوى السياسية التي ترى سبل الوصول إلى المستقبل المنشود. وعلى هذا الأساس اجتمعت النخب السورية في المؤتمر السوري العام في تلك السنة، ووضعت دستورًا للمملكة السورية بعد أن أجمع الأعضاء على تنصيب الأمير فيصل ملكًا على البلاد.

والآن، نرى كيف يعمل السوريون على المستوى السياسي، كورشة عملاقة، متعددة المشارب والانتماءات السياسية، وبالاشتراك مع منظمات المجتمع المدني، في سبيل الاجتماع سويًا تحت عنوان المؤتمر الوطني، الذي يمثل الإرادة الشعبية التي تخلصت من الديكتاتورية وتطمح إلى دولة مدنية ديمقراطية. حيث ستؤدي التوافقات المنتظرة فيه – كما يأمل الجميع- إلى تحديد ملامح المرحلة الانتقالية.

ملاحظة واقع حال البلاد المنهارة، على جميع المستويات، وتداعي اقتصادها، وتهالك بنيتها التحتية، يكاد يكون سمة مشتركة بين الزمنين. لكن الفرق يأتي، من أن ثمة تجارب تنموية، اشتغل فيها أبناء البلد حول العالم، أثمرت أفكارًا مهمة، تطفو فوق الرغبة العارمة بالنهوض، وفق نوايا يكتنزها العقل السوري العام. وتظهر هذه الالتماعات في كلام كل من يتحدث عن آفاق الزمن القادم، من رأس الإدارة الحالية أحمد الشرع، وإلى الشباب السوري في الداخل أو المغتربات.

لكن، لماذا نحتاج أن نجري هذه المقاربة بين هذين الزمنين؟ يسأل أحد ما، ولابد أن يكون الجواب مرتبطًا قبل أي شيء، بضرورة أن يؤمن السوريون بقدرتهم، على تجاوز المنعطف الحاد، الذي يمر فيه طريق التحول، من أيام الخراب الأسدي إلى المستقبل المأمول. إذ لا يمكن للفرح بالحرية بذاته أن يكون كافيًا للوصول إلى ما يريده الناس، بل يجب إدراك أن التهديدات مستمرة وتتربص بالآمال.

ولهذا، فإن الأخطاء التي ارتُكبت طوال مئة سنة، يجب أن تَمثلَ أمام النخب السورية، وأمام القيادة الجديدة، على حد سواء، كي لا تتكرر المآسي، وتتحقق التوقعات التشاؤمية التي تقول إن هذه البلاد منذورة للخراب.

نشرت في موقع تلفزيون سوريا

علي سفر

شاعر ومخرج من مواليد سوريا عام 1969، وهو خريج كلية الآداب والدراسات المسرحية، وكتابه “يوميات ميكانيكية” هو السادس ضمن ما أصدره على مر تجربته في الكتابة والتي بدأها بكتاب “بلاغة المكان” (1994) و”صمت” (1999) و”يستودع الإياب” (2000) و”اصطياد الجملة الضالة” (2004).

أضف تعليق