تظل قضية حرمان الأم السورية من منح جنسيتها لأطفالها واحدة من أبرز القضايا الحقوقية في سوريا، إذ تعجز آلاف الأمهات السوريات عن منح جنسيتهن لأطفالهن بسبب قانون لا يعترف بحقهن في الوقت الذي تُمنح فيه الجنسية نفسها لأجانب لأسباب سياسية أو عسكرية.
هذا التمييز الممنهج يتناقض مع الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، التي وقّعت عليها سوريا في عام 2009، والتي تضمن حق المرأة في منح جنسيتها لأطفالها. إلا أن الواقع السوري يظل بعيدًا عن هذا المبدأ الأساسي لحقوق المرأة، مما يثير تساؤلات جدية حول العدالة والمساواة في القوانين السورية، ويؤكد على ضرورة إصلاحات قانونية تضمن الحقوق الإنسانية للنساء السوريات.
وفي وقت تشهد فيه العديد من الدول العربية والأجنبية تغييرات قانونية تصبّ في مصلحة المساواة بين الجنسين، نجد أن سوريا ما تزال متأخرة عن هذا التحول. وعلى الرغم من أن الدول الأجنبية سبقت الدول العربية في هذه الحقوق لكن نلحظ تطور بعض الدول في هذا السياق مثل تونس والمغرب والجزائر، حيث تم تعديل قوانين الجنسية لتمنح المرأة الحق في منح جنسيتها لأطفالها، مما يبرز الفجوة الكبيرة بين التشريعات السورية وتلك التي تضمن حقوق المرأة في دول أخرى.
إن غياب الإصلاحات القانونية التي تسمح للأم السورية بمنح جنسيتها لأطفالها يعكس تمييزًا صارخًا ضد النساء. وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات من قبل المجتمع المدني السوري لإصلاح قانون الجنسية بما يضمن العدالة والمساواة للأم السورية وأطفالها. هذه التعديلات أصبحت ضرورة ملحة، لا سيما في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها النساء السوريات.
ما تواجهه الأمهات السوريات وأطفالهن ليس مجرد مسألة قانونية، بل هي أزمة هوية تتطلب إصلاحًا جوهريًا يعكس قيم المساواة والعدالة
في حين يُبقي القانون السوري على تمييز صارخ ضد النساء، حيث يُحصَر حقّ منح الجنسية في الرجال فقط. هذه السياسة المجحفة تعكس تاريخًا طويلًا من القوانين التي ترى المرأة كمواطن من الدرجة الثانية، حتى عندما يتعلق الأمر بأبسط حقوقها كأم.
ولنفهم جذور هذه الأزمة، علينا العودة إلى تاريخ قوانين الجنسية السورية. منذ تأسيس الجمهورية، كان التشريع موجّهًا لتثبيت الهوية الوطنية في وجه التدخلات الأجنبية. لكن بدلًا من أن تتطور القوانين لمواكبة العدالة والمساواة، بقيت عالقة في قوالب قديمة تُقصي النساء وتمنح الرجال امتيازات واسعة.
السيدة هدى أم سورية كانت متزوجة من رجل ولد من أم سورية وأب ولد في سورية لكنه يحمل الجنسية العراقية، لذا فالأب عراقي، ولديها ثلاثة أطفال لا يحملون الجنسية السورية. إذن نحن أمام قصة لثلاثة أجيال متعاقبة في سوريا ولا يحملون الجنسية!
تروي قصتها: “أطفالي ووالدهم مولودون هنا، لكنهم لا يحملون الجنسية السورية. أجد نفسي عاجزة أمام القوانين التي تحرمنا من أبسط حقوقنا مثل رفض مشاركة أطفالي في تحدي القراءة العربي، وكذلك الأولمبياد العلمي السوري. فضلًا عن أن والد أطفالي وأطفالي حاولوا الانضمام لأحد منتخبات كرة القدم وكان الرد أنه سيتم اعتبارهم هواة ولن يصبحوا من عناصر الفريق الأساسية لأنهم لا يحملون الجنسية السورية”.
هذه القصة واحدة من آلاف الأمثلة التي تعكس الصعوبات التي تواجه الأطفال. ولا ننسى العوائق التي توضع أمام هؤلاء الأطفال بعد بلوغهم سن الرشد أيضًا، حيث يسمح لغير السوري أن يمتلك عقارًا فقط لحق الانتفاع، ولا يملك حق التصرف، ويسقط هذا الحق الممنوح في حال الوفاة، أي يعتبر هذا العقار أملاكًا عامة للدولة.
كذلك فإن حق العمل والضمان الاجتماعي يمنح فقط للمواطنين السوريين. وبعد آخر تعديل لقانون العمل عام 2010 فقد مُنح الأجانب الحق في العمل في القطاع الخاص فقط، وغالبًا ما يتطلب إجراءات إضافية مثل تصاريح العمل.
تقول الأستاذة المحامية عنود الهتيمي: “القانون في سوريا يضع أطفال الأم السورية من أب أجنبي في وضع غير عادل ومجحف بحقهم إذ يجردهم من عدة حقوق في العمل والميراث والاستملاك وحقوقهم السياسية. إن إصلاح هذه القوانين وتعديلها بما يسمح للأطفال الذين يولدون من أم سورية بالحصول على الجنسية السورية بشكل تلقائي هو مطلب مهم ومنعطف حساس في قضية النساء السوريات”.
من جهة أخرى، نرى تناقضًا صارخًا في تعامل السلطات مع الجنسية. بينما تُمنح الجنسية للأجانب لأسباب سياسية أو عسكرية، تظل الأم السورية، التي تعيش وتعمل وتساهم في بناء الوطن، محرومة من هذا الحق.
لا يمكن تجاهل التداعيات الاجتماعية لهذه السياسات. الأطفال عديمو الجنسية يواجهون مشكلات حقيقية في الحياة، فضلًا عن شعورهم بالإقصاء من بلد ولدوا وعاشوا فيه وهو وطن أمهاتهم! هذا الحرمان يخلق جيلًا مهمشًا، مما يزيد من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية على دولة تعاني أصلًا من أزمات متراكمة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن غياب الجنسية يُعيق فرص التنمية. المواطنون الذين لا يُعترف بهم قانونيًا لا يمكنهم المساهمة بشكل كامل في المجتمع، مما يُفاقم معدلات البطالة والتهميش.
رغم قتامة المشهد، هناك دعوات متزايدة لإصلاح قوانين الجنسية. حقوقيات/ون وناشطات/ون يدفعون نحو تشريعات تضمن المساواة بين الجنسين، وتحمي حقوق الأمهات وأطفالهن. التغيير يتطلب إرادة سياسية، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل الانقسامات الحالية. لكن الأمل يظل موجودًا، خاصة مع تصاعد الأصوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية في سوريا.
ما تواجهه الأمهات السوريات وأطفالهن ليس مجرد مسألة قانونية، بل هو أزمة هوية تتطلب إصلاحًا جوهريًا يعكس قيم المساواة والعدالة. إن استمرار هذا التمييز القانوني يكرّس شعور الإقصاء ويضع جيلًا كاملًا في دائرة التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
الحل يبدأ بإعادة تعريف مفهوم المواطنة ليكون عادلًا وشاملًا، بحيث يعكس تطلعات جميع السوريين والسوريات. مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى بقوانين تمييزية، بل يحتاج إلى تشريعات تعترف بحقوق كل مواطن ومواطنة.
إذا كان التغيير السياسي والاقتصادي صعبًا في ظل الظروف الراهنة، فإن التغيير القانوني والاجتماعي هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا، حيث تكون الأم السورية قادرة على منح جنسيتها لأطفالها دون قيد أو شرط.
نشرت في موقع ألترا صوت
جولي الياس بيطار

كاتبة وناشطة سورية
