مع سقوط الأسد وصعود أحمد الشرع، يبرز خياران أمام الأخير للتعامل مع آلاف المقاتلين الأجانب الذين لا توجد أرقام دقيقة عن أعدادهم، وهما إما التخلي عنهم أو دمجهم في المجتمع، وينذر الخيار الأول بمواجهة عسكرية واقتتال بين هذه الفصائل. أما الثاني فقد لا ينجح على الأقل في المستقبل القريب بسبب الاختلافات الجوهرية بين الأجانب والمجتمع السوري، ويحتاج إلى جهد كبير.

منذ بداية الثورة السورية، استعانت مختلف أطراف الصراع بمقاتلين غير سوريين، فالنظام استنجد بالإيرانيين واللبنانيين والعراقيين والأفغان والروس، ولجأ الأكراد السوريون إلى الأكراد غير السوريين، فيما دعت المعارضة إلى “الجهاد” لاستقطاب المقاتلين الأجانب.

في العقد الأخير وفي سياق نمو الحركات الجهادية ومن بينها جبهة تحرير الشام، كان دور مقاتلين من شمال أفريقيا ووسط آسيا وحتى من الغرب أساسياً في تشكيلات هذه الجماعات المسلّحة. 

بعد خلع النظام، أصدر قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع مرسوماً بترفيع نحو 49 شخصاً إلى رتب عليا في الجيش السوري، بينهم مقاتلون سوريون وضباط منشقّون.

خطوة غير قانونيّة 

أثار قرار أحمد الشرع بترقية مقاتلين أجانب انتقادات واسعة، حتى من الولايات المتحدة الأميركية التي أبدت استياءها من تعيين أجانب في المناصب العسكرية العليا، مشيرة إلى أن ذلك لن يحسّن من سمعة حكام سوريا في واشنطن. كما أثار كلّ من وزيري خارجية فرنسا وألمانيا، جان – نويل بارو وأنالينا بيربوك قضية المقاتلين الأجانب الذين تم تجنيدهم في الجيش خلال لقائهما مع الشرع في 3 كانون الثاني/ يناير بحسب رويترز.

وتبرز في هذه التعيينات مشكلتان أساسيتان، الأولى أن هؤلاء ليسوا سوريين ولم يُمنحوا الجنسية قبل ترقيتهم، والثانية أن بعضهم مصنّف إرهابياً في بلاده الأصلية وفي معظم دول العالم.

وحول قانونية الخطوة التي أقدم عليها الشرع، يقول الباحث والكاتب حسام جزماتي لـ “درج”: “قرار الشرع الأخير ليس فقط غير قانوني، بل أيضاً خطوة لم يكن ينبغي له أن يتخذها حتى لمصلحته الشخصية. فكل الخطاب المعسول الذي يقدمه للأجانب عن بناء مؤسسة جيش شاملة ووطنية لا يقصي أحداً فيها، لا يتوافق مع سلوكيات من هذا النوع”.

واعتبر جزماتي أنه كان من الأجدر بالشرع الاستفادة من ضباط الجيش السابقين الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء، بالإضافة إلى ضمّ الضباط المنشقين، ما سيجعل المؤسسة شاملة بمعنى الكلمة، وقال: “أن يمنح الشرع رتباً عسكرية لجهاديين يُنظر إليهم قانونياً كأجانب في القانون السوري، من دون حتى حصولهم على الجنسية، ويضعهم في مواقع قيادية داخل مؤسسة الجيش، فهذا قرار خاطئ على جميع المستويات. هذه الخطوة لا تخدم المبادئ التي يدّعي الالتزام بها، ولا مصلحته الشخصية على المدى البعيد”.

عدم قانونيّة مرسوم ترقية المقاتلين الأجانب

مع سقوط الأسد وصعود أحمد الشرع، يبرز خياران أمام الأخير للتعامل مع آلاف المقاتلين الأجانب الذين لا توجد أرقام دقيقة عن أعدادهم، وهما إما التخلي عنهم أو دمجهم في المجتمع، وينذر الخيار الأول بمواجهة عسكرية واقتتال بين هذه الفصائل. أما الثاني فقد لا ينجح على الأقل في المستقبل القريب بسبب الاختلافات الجوهرية بين الأجانب والمجتمع السوري، ويحتاج إلى جهد كبير.

ويرى جزماتي أن “مثل هذه القضايا يجب أن يدار بطريقة منظمة وقانونية. ينبغي طرح الموضوع للنقاش العام ضمن إطار قانوني واضح، مع تنظيم ملفات خاصة بالجنسيات لمعالجة الوضع بشكل منهجي. أما الطريقة الحالية التي تُدار بها الأمور، فهي فوضوية وغير مقبولة. على سبيل المثال، يتم تعيين شخص برتبة عميد في الجيش، ثم نكتشف لاحقاً أنه يحمل جنسية أوزبكية أو جنسية أخرى”.

يتابع جزماتي: “لدينا تجربة مشابهة في البوسنة، حيث شارك مقاتلون إسلاميون إلى جانب المسلمين خلال الصراع. وبعد تفكّك يوغوسلافيا، أثير نقاش حول وضعهم: هل يمكن طرد هؤلاء المقاتلين الذين اعتُبروا إخوة قاتلوا معهم؟ في النهاية، تمت معالجة الأمر من خلال نقاش عام، فتم تجنيسهم والتوصل إلى توافق بشأن وجودهم في المجتمع”.

من جهة أخرى، يبدو أن فكرة المؤسسات شديدة الاختلاف بين مدينة كإدلب وبين بلد كامل، وتطبيق تجربة إدلب على سوريا مستحيل ليس لأن إدلب مدينة صغيرة مقارنة بدولة كاملة، بل لأنها لم تخض تجربة المؤسسات بشكل عميق وحقيقي.

يعلّق جزماتي: “لم يعتد الجولاني احترام القانون في الأصل، وزاد الأمر سوءاً الآن بسبب حالة النشوة الطاغية التي يعيشها بعد الانقلاب الكبير في مكانته. فقد انتقل من كونه شخصاً معزولاً في إدلب، يواجه انتقادات من الحراك الثوري، إلى جالس في قصر الشعب بجماهيرية مفاجئة وكبيرة، إذ يُنسب إليه تحرير سوريا، وبات يُنظر إليه كقائد مؤهل. هذا التحول عزز ثقته بنفسه بشكل مفرط”.

ويرى جزماتي أن الجولاني يكرر نموذج إدلب لكنه يسعى الى توسيعه، يقول: “هو يدير المشهد من خلال أذرع تُنفذ أوامره، لا عبر مؤسسات حقيقية تلتزم بالقوانين وتعمل وفق أطر مستقرة. ما يبدو شكلياً كأنه مؤسسات منظمة ومنضبطة هو في الحقيقة خالٍ من الجوهر المؤسسي. هذه الأذرع تُصمم لتلبية احتياجاته وأوامره وقتما يشاء، لكنها تفتقر تماماً الى العقلية المؤسسية الحقيقية التي تضمن الاستقلالية والالتزام بالقانون”.

حسب تقارير رويترز وAFP، من بين من تمت ترقيتهم ألباني من مقدونيا الشمالية، وطاجيكي، وثلاثة من الإيغور الصينيين. كما تضم الترقيات شخصيات بارزة مثل مختار التركي وأبو حسين الأردني الذي عُيِّن ضابطاً، بالإضافة إلى أبو محمد التركستاني.

ومن بين المقاتلين الأجانب، يُعد الشيشان الذين ينتمون إلى منطقتي الشيشان وشمال القوقاز الأشدّ بأساً، كون المنطقتين شهدتا صراعاً طويلاً ضد الجيش الروسي. 

من جهة أخرى وعلى رغم مرور سنوات على وجودهم في سوريا، لم يندمج جميع الأجانب في المجتمع السوري، مثل الإيغور الذين أنشأوا مجتمعاً صغيراً لهم في قرى جسر الشغور في إدلب.

نشرت في موقع درج ميديا

مناهل السهوي

كاتبة وإعلامية سورية

أضف تعليق