الطريق إلى الحرية لم يكن يوماً سهلاً، خاصة للنساء اللواتي يرفضن الوصاية بكافة أشكالها، سواء كانت سياسية، دينية، أو مجتمعية. وما دامت الأصوات النسوية الحرة موجودة، وما دامت الأقلام تكتب عن تلك الأطواق الخفية، سيظل هناك أمل في كسرها نهائياً. لكن حتى ذلك اليوم، سنبقى نواجه أطواقاً جديدة، كلما ظننا أننا تحررنا من سابقاتها.
قالت لي مرة صديقة من السودان وهي تبتسم بمزيج من الجد والمرارة “أنت قاتلة للبهجة، لأنك ببساطة لا تشاركين في هذا الفرح، من دون أن ترفعي راية النقد في وجهه”.
ربما تكون صديقتي على حق، لكن كيف يمكن التعامل مع البهجة الزائفة التي تُبنى على حساب كرامة النساء وأحلامهن، في مجتمع يعامل النساء كورود ناعمة، تُسقى بالمديح وتُزين بها الموائد، لكنه في الوقت ذاته، لا يأبه إن سقطت هذه الورود في أعراسه ومهرجاناته، ويدوس عليها في لحظة نشوة الفرح والدبكة.
أقنعت نفسي بأنه أن تكوني امرأة ناقدة أو قاتلة للبهجة، يعني أن تختاري دوراً لا ترحب به شرائح واسعة في المجتمع، ممن يفضلون المرأة التي تصفق في الزوايا، وتبتسم في صمت، وتقبل بما يُمنح لها من فتات الحقوق، باعتباره كرماً عظيماً. وربما في نهاية الأمر، لا يتعلق الأمر بقتل البهجة، بقدر ما يتعلق بإعادة تعريف الفرح الحقيقي. الفرح الذي لا يُقصي أحداً، ولا يُبنى على استغلال أحد. الفرح الذي يعترف بكل إنسان، بما يحمله من هموم وأحلام، ويمنحه المساحة ليكون نفسه، من دون أقنعة ومن دون خضوع. الفرح الذي لا يلغي تاريخاً و سرديات محقة، مبنية على آلام من تبنوها، و أحياناً صنعوها بأنفسهم.
هل تريدين حقاً أن تكوني تلك التي تنشر البهجة الساذجة؟ أم تريدين أن تكوني من يصنع فرحاً حقيقياً يليق بمن حملن على أكتافهن أعباء الصمت الطويل؟ هذا هو السؤال الذي تركته لي صديقتي منذ سنوات ولعله لا يزال بلا إجابة.
في خضم الثورة السورية وما تبعها من صراعات سياسية واجتماعية، لم تكن معركة النساء السوريات مجرد صراع من أجل إسقاط نظام مستبد فقط، بل كانت أيضاً معركة يومية ضد طوق ذكوري يحيط بهن من كل جانب. الطوق الذي يرمز إلى محاولات تقييدهن وتحديد أدوارهن، سواء كان ذلك في ساحات المظاهرات، أو في أروقة السياسة الدولية.
الطوق في المظاهرات و المجتمع المدني و السياسة
كان الطوق في المظاهرات التي سارت في الثورة ضد الأسد، يتجسد في مجموعة من الرجال الذين يمسكون بأيدي بعضهم بعضاً، ويحيطون بالنساء تحت شعار حمايتهن من التحرش، أو تسهيل هروبهن في حال اقتحام قوات الأمن المكان. وبرغم النوايا الحسنة الظاهرة لهذه الخطوة، إلا أن العديد من النساء رفضن هذا الطوق، لأنه يمارس عليهن نوعاً من الوصاية، وكأن وجودهن في الساحة مشروط بحماية الذكور لهن، ولم يكن مستغرباً أن تسمع صوت إحدى المتظاهرات تقول: “ما بدخل جوا الطوق”.
وفي بعض المناطق كان ذلك الطوق مجموعة من المتظاهرين الرجال، يقفون في الصفوف الأمامية للمظاهرات ويصرخون: الحرائر لورا، أي أن تقف النساء في الصفوف الخلفية حماية لهن من القنص، أو إطلاق النار المباشرة من قبل الأمن السوري، وعلى غرار رافضات الطوق، أصر بعض النساء على الوقوف في الصفوف الأمامية، وقلن مراراً: “ما منرجع لورا”.
لم يكن رفض الطوق و”الورا” مجرد عناد عابر؛ بل كان تعبيراً عن رفض النساء السوريات، أن يُختزل وجودهن في الثورة بدور الضحايا، أو من يحتاج إلى الحماية. كان إصرارهن على الوجود خارج الطوق، رغم المخاطر، إعلاناً واضحاً بأنهن شريكات كاملات في النضال، لا يطلبن الإذن ولا يقبلن التقييد.
لم يقتصر الطوق على المظاهرات، بل امتد إلى المجتمع المدني، حيث أصبح العديد من المبادرات النسوية/ النسائية في المناطق المحررة، وفي الخارج، يخضع لإملاءات مموليها أو الأجندات الدولية، التي غالباً ما تفصل بين النساء والواقع السياسي.
تلك المبادرات التي كان يُفترض بها أن تكون منبراً حراً للنساء السوريات، تحولت في بعض الأحيان إلى إطار مُقيد، لا يسمح للنساء بالتعبير عن آرائهن بشكل كامل. في كثير من اللقاءات، كان يُطلب من النساء التركيز على القضايا الإنسانية فقط، من دون التطرق إلى الاستبداد، أو الانتهاكات المستمرة من قبل النظام، وكان من اللافت أن يتم تصوير النساء في هذه اللقاءات، كأنهن الطرف المحايد الذي يجب أن يلعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، في حين أنهن في الواقع كن ضحايا مباشرات للعنف والقمع.
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض المبادرات تُستخدم كأدوات سياسية لإظهار “التنوع والشمولية” أمام المجتمع الدولي، كانت النساء اللواتي يرفضن هذه القيود، يُقصين أو تُهمش أصواتهن. وعلى الرغم من ذلك، استمر العديد من النساء السوريات في تحدي هذه القيود، وأصررن على أن يكن جزءاً من الحراك السياسي والمجتمعي، من دون أن يُفرض عليهن الطوق، سواء كان ذلك في شكل وصاية سياسية، أو أجندات دولية تخدم مصالح محددة.
هذا الطوق الجديد الذي فرضته بعض الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، لم يكن أقل قسوة من الطوق الذي واجهته النساء في ساحات المظاهرات، فالهدف في الحالتين كان واضحاً: الحد من تأثير النساء، وجعلهن مجرد رموز شكلية تُستخدم عند الحاجة، من دون السماح لهن بالتصدر والمشاركة الفعلية في صنع القرار.
ومع تقدم الوقت، وتحول الثورة إلى صراع سياسي معقد، ظهر شكل آخر من الطوق، لكن هذه المرة كان في ساحات السياسة والمفاوضات. أصبح يُطلب من النساء أن يجتمعن ككتلة واحدة، بلا اختلافات، بلا تناقضات، وكأنهن مجرد رمز موحد يُستخدم في الصور التذكارية والاجتماعات الرسمية.
أصبح يُفرض عليهن أن يتفقن لمجرد أنهن نساء، من دون اعتبار لاختلاف الرؤى السياسية أو الانتماءات الثورية، ولم تكن وكالات الأمم المتحدة بريئة من تلك الأجندة، فما زلت أذكر اجتماعاً من تحضير إحدى وكالاتهن في بيروت، حيث جمعن المواليات المهللات للقتل، مع أمهات الضحايا وأخواتهن، برغم أن آلة القتل كانت مستمرة، وطُلب منهن أن يحببن بعضهن بعضاً، ويلعبن دور حمامة السلام، وكأن الصقور؛ أي الرجال، يحلّقون في سرب، والنساء؛ الحمائم، في سرب آخر تماماً.
ضريبة الخروج من الطوق
مع إصرار العديد من النساء السوريات على رفض الطوق بكل أشكاله، بدأت حملات تشويه ممنهجة تستهدف هؤلاء النساء الناشطات. لم يكن التشويه مجرد انتقادات عابرة؛ بل اتخذ أشكالاً منظمة تهدف إلى إقصائهن وتحييدهن عن المشهد العام، سواء في المظاهرات أو في المجتمع المدني والسياسي.
استخدمت هذه الحملات التحريض الديني، حيث تم استهداف بعض الناشطات من قبل جهات دينية متشددة، اتهمتهن بالخروج عن “الدين”، والترويج لأفكار غربية تهدف إلى تفكيك المجتمع، ووصل الأمر إلى استخدام المنابر الدينية للتحريض المباشر ضدهن، ونشر صور مفبركة ومعلومات مضللة، تهدف إلى تقويض مصداقيتهن، وجعلهن يظهرن بمظهر غير أخلاقي، أو متآمر مع جهات خارجية.
هدفت كل تلك الحملات إلى إسكات الأصوات الناقدة، ودفع النساء إلى التراجع عن مواقفهن والانسحاب من المشهد العام، وتقويض مصداقيتهن أمام المجتمع المحلي والدولي، مما يضعف من تأثيرهن وقدرتهن على حشد الدعم، كما سعت إلى إعادة فرض السيطرة الذكورية، من خلال إجبار النساء على العودة إلى أدوارهن التقليدية كمتابعات وداعمات فقط، وليس كصانعات للقرار وشريكات في النضال.
هبة عز الدين – ناشطة نسوية سورية – درج ميديا
