منذ سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول  2024، غاب مجلس الشعب السوري عن المشهد السياسي دون قرار رسمي بحله أو تجميده من قبل الإدارة السورية الجديدة الممثّلة بأحمد الشرع. وأثار هذا الغياب تساؤلات حول مصير المجلس ودوره في المرحلة الانتقالية.

وسيطرت “إدارة العمليات العسكرية” بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني قائد هيئة تحرير الشام) على دمشق في الثامن من كانون الأول الفائت بعد هروب بشار الأسد إلى موسكو، ولاحقاً سيطرت على أجزاء واسعة من سوريا.

في المادة الصحفية نستعرض أسباب غياب مجلس الشعب عن الواجهة السياسية بعد سقوط النظام السابق، وآخر ظهور لرئيسه وبعض أعضائه، وقانونية غيابه ومن يحق له حله لاحقاً، وتفاصيل أخرى.

آخر ظهور لرئيس المجلس وبعض أعضائه

عقب سقوط النظام بيوم واحد، أصدر مجلس الشعب بياناً على منصة “انستغرام“، وصف فيه الحدث بأنه “يوم تاريخي”، وأكد استعداده لدعم الشعب السوري.

 ومنذ ذلك الحين، لم يصدر عن المجلس أي بيان رسمي، باستثناء تصريحات فردية لرئيسه حمودة صباغ وبعض أعضائه، عبر وسائل إعلام عربية، الذين أعربوا عن رغبتهم في التعاون مع القيادة الجديدة، دون تلقي رد.

 رئيس المجلس حمودة الصباغ، أكد لموقع “مصراوي” في التاسع من كانون الأول الفائت، أنه  لم يتم تكليف مجلسه بإدارة شؤون البلاد بعد سقوط النظام السابق. وفي ذات اليوم قال، معلا الخضر، عضو مجلس الشعب، لموقع “أخبار الخليج” إنهم كممثلين للشعب السوري مؤيدون لما جرى في سوريا، وعبّر عن ‭ ‬تطلعه‭ ‬الى‭ ‬وصول‭ ‬سوريا ‬لمرحلة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والعدالة‭ ‬والحرية‭.

كذلك أعرب همام دوبيات، عضو مجلس الشعب السوري ورئيس اللجنة الاقتصادية والطاقة في مجلس الشعب عن أمله في انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة تستعيد فيها ألقها وحضارتها.

إعلان تجميد البرلمان وحله لاحقاً

الناطق الرسمي باسم إدارة الشؤون السياسية عبيدة أرناؤوط  صرّح لـ”فرانس برس” بعد سقوط النظام، أنه سيجري تجميد العمل بالدستور السوري لعام 2012 وتجميد البرلمان السوري خلال المرحلة الانتقالية الممتدة حتى آذار المقبل. ومع ذلك، لم يصدر أي قرار رسمي بحل المجلس.

بدورها أكدت أمينة سر مجلس الشعب، فوزية مناع، لموقع “القدس العربي”، الخميس الفائت، أن المجلس لم يُحل، وأن حله يتطلب قراراً من رئيس الجمهورية وفق الدستور، رغم تعليق العمل به “المجلس مجمّد بقرار من الإدارة العامة لثلاثة أشهر”.

واعتبر أحمد الشرع خلال مقابلة تلفزيونية، أن القرارات المصيرية والحساسة مثل حل البرلمان والدستور، يجب أن تكون نابعة من توافق واسع ومشاركة جماعية في المؤتمر الوطني المزمع عقده، وليس من قرار فردي.

وتواصل مكتب مجلس الشعب مع الإدارة السورية الجديدة، وفق فوزية، وأرسل إليها تقريراً يوضح عمل المجلس واستعداده لمد يد المساعدة “في هذه اللحظات العصيبة”، لكنها لم تشر إلى أي رد من قبل الإدارة الجديدة حول ذلك.

الدكتور إبراهيم دراجي، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة دمشق، اعتبر أنّ عدم صدور قرار واضح بحل مجلس الشعب إلى الآن، يعكس استمرار حالة الغموض وعدم الشفافية في القرارات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية. فمنذ 8 كانون الأول كانت القرارات تصدر إما عبر تصريحات إعلامية أو تسريبات، وأحياناً يتم نفيها لاحقاً، وفق قوله.

وأضاف لروزنة: “كان يمكن إصدار قرار بحل مجلس الشعب في إطار الشرعية الثورية، كما حدث في جميع القرارات التي صدرت والتي استندت إلى المبايعة الشعبية وليس إلى دستور دائم (…) بكل الانقلابات التي لم تكن ثورات شعبية في سوريا كان يتلو إعلان البيان رقم واحد إعلان تعليق العمل بالدستور”.

وفي حال اتخاذ قرار بتعطيل الدستور فمجلس الشعب المنبثق عنه المنصوص بالدستور لا وجود له أيضاً، يوضح دراجي.

وتُعتبر “الشرعية الثورية” مصطلحاً سياسياً قانونياً يُستخدم في الدول التي تشهد ثورات تؤدي إلى إسقاط النظام السياسي، كما تعتبر أساساً لفرض النظام الجديد وتبرير وجوده واستمراريته، خاصة في المراحل الأولى بعد نجاح الثورة.

ما قانونية تجميد مجلس الشعب؟

بحسب خبراء قانونيين، إن تجميد مجلس الشعب أمر طبيعي في سياق الثورات، حيث تُعطل الدساتير والمؤسسات السابقة، لكن في المقابل يجب إعلان دستور ومجلس شعب مؤقتين، من أجل ملء الفراغ التشريعي.

الدكتور إبراهيم دراجي، يقول لروزنة، إن تجميد عمل مجلس الشعب يُعد إجراء طبيعياً في سياق الثورات، حيث تسعى الثورات عادة إلى إسقاط الدستور القائم والمؤسسات المنبثقة عنه، بما في ذلك منصب رئاسة الدولة ومجلس الشعب.

ويقتضي الوضع الطبيعي في إطار الشرعية الثورية إسقاط الدستور وجميع المؤسسات المنبثقة عنه وبالتالي فإن تجميد عمل مجلس الشعب كان متوقعاً، وفق دراجي.

ولا ينبغي أن تبقى الدولة في حالة فراغ تشريعي لفترة طويلة، خاصة في ظل الحديث عن فترة انتقالية قد تمتد لثلاث سنوات أو أكثر بحسب دراجي.

أما التحدي الأبرز الآن هو كيفية سد فراغ السلطة التشريعية خلال الفترة الانتقالية، إذ أن احتكار السلطة التنفيذية لصلاحيات التشريع لفترة طويلة ليس منطقياً ، ولا يخدم مبدأ فصل السلطات، الذي يُعد أساساً للحكم الرشيد. على حد تعبير دراجي.

برلمان مؤقت

واعتبر أستاذ القانون الدولي، إبراهيم دراجي أن غياب السلطة التشريعية قد يكون مبرراً في مرحلة استثنائية قصيرة بعد سقوط النظام، لكن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة قد يؤدي إلى فساد السلطة.

وبرأيه أنّ غياب مجلس الشعب في المرحلة القادمة يعد أمراً خطيراً، واقترح  إجراء انتخابات لبرلمان مؤقت قريباً، يضم ممثلين من جميع المحافظات السورية، يتم اختيارهم بناء على تمثيل عادل يشمل كافة المكونات من رجال ونساء، إلى جانب خبراء من مختلف التخصصات، بحيث يصل عدد الأعضاء إلى نحو 140 شخصاً.

وتابع: “نبحث الآن عن أقل الخيارات سوءاً (…) تشكيل برلمان مؤقت خلال الفترة الانتقالية أفضل بكثير من احتكار السلطة التنفيذية للصلاحيات التشريعية طوال هذه الفترة” مشيراً إلى تجارب دول أخرى مثل مصر، حيث تم تشكيل سلطة تشريعية مؤقتة بعد ستة أشهر من إعلان الدستور.

وكان أحمد الشرع قال خلال حديثه مع العربية، إنه خلال المؤتمر الوطني القادم سيتم حل البرلمان السوري، وفيما يتعلق بالدستور السوري قد يستغرق إعداده ثلاث سنوات.

ومنذ استلام الإدارة السورية الجديدة ممثلة بأحمد الشرع، زمام الأمور في سوريا، أصدرت مجموعة من القرارات المختلفة سواء أكانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، دون الاستناد إلى أي مرجع قانوني معتمد سابقاً لدى حكومة النظام السوري السابق.

إجراءات غائبة

بعد استلام الإدارة السورية الجديدة في 8 كانون الأول، كان الوضع الطبيعي يتطلب إعلان دستوري مؤقت من قبل أحمد الشرع ينهي خلاله العمل بدستور 2012 والذي ينبثق عنه بالأساس مجلس الشعب، ويحل جميع المؤسسات المرتبطة به، بما في ذلك السلطات التنفيذية مثل رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، والسلطة التشريعية، خاصة أن السلطة القضائية كانت معطلة لفترة زمنية، يقول أستاذ القانون الدولي دراجي.

ويرى أستاذ القانون الدولي أن سوريا من المفترض أن تمر بثلاث مراحل دستورية وهي: أولاً إعلان دستوري مؤقت للفترة الراهنة بعد إسقاط النظام مباشرة، والثانية اعتماد دستور مؤقت خلال المؤتمر الوطني، يستمر العمل به لحين اعتماد دستور دائم للبلد”.

أعمال مجلس الشعب قبل سقوط النظام

منذ قبيل منتصف العام الفائت، انشغل مجلس الشعب السوري بانتخاب أعضاء المجلس الدوري، الذي جرى في تموز 2024، وتلا ذلك إسقاط عضوية شخصين، هما شادي دبسي ومحمد حمشو بسبب حصولهما على الجنسية التركية.

ومطلع تشرين الثاني العام الفائت، حدد مرسوم تشريعي انتخابات لملء مقعدين شاغرين في مجلس الشعب (في حلب وطرطوس)، في السابع من كانون الأول، وصادف قبل يوم من سقوط النظام، وفق وكالة “سانا“.

وآخر أعمال مجلس الشعب كان إقراره على مشروع قانون الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2025، وأقر  النفقات أولاً ثم انتقل إلى إقرار الإيرادات ثم شرع في إقرار مواد مشروع القانون مادة مادة وأصبح قانوناً. وفق موقع “مجلس الشعب”.

ما مهام مجلس الشعب؟

من مهام مجلس الشعب، إقرار القوانين، ومناقشة بيان الوزارة، وحجب الثقة عن الوزارة أو عن أحد الوزراء، وإقرار الموازنة العامة للدولة وإقرار خطط التنمية، وفق “الحكومة السورية الإلكترونية“.

ومن صلاحياته أيضاً إقرار المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تتعلق بسلامة الدولة، كمعاهدات الصّلح والتحالف، والمعاهدات التي تتعلق بحقوق السّيادة، أو الاتفاقيات التي تمنح امتيازات للشركات أو المؤسسات الأجنبية.

وكذلك إقرار المعاهدات والاتفاقيات التي تُحمل خزانة الدّولة نفقات غير واردة في موازنتها، أو التي تتعلّق بعقد القروض، أو التي تخالف أحكام القوانين النّافذة ويتطلب نفاذها إصدار تشريع جديد.إضافة إلى إقرار العفو العام وقبول استقالة أحد أعضاء المجلس أو رفضها.

لكن وبحسب العضو السابق في مجلس الشعب الإعلامي والكاتب نبيل صالح، كان القائمون على المجلس “ينتهكون النظام الداخلي، كما كان وزراء الحكومة يتحكمون بتوجهات غالبية أعضاء المجلس، فكان هؤلاء يقعون بين ثنائية محاولة إرضاء جمهورهم من دون أن يزعجوا الحكومة فلا يرضون أحداً”، وفق “القدس العربي”.

ويفترض أن يناقش البرلمان السياسات العامة للدولة، لكن لم يكن يسمح له بمثل هذه المناقشات ودوره كان فقط التصديق على السياسات العامة للحكومة، ومواجهة أي عضو يخرج عن المسارات التي كانوا يضعونها، وفق الصالح.

هل يحق للإدارة الجديدة حل مجلس الشعب؟

وفق المادة 111 من  الدستور السوري لعام 2012 يحق لرئيس الجمهورية أن يقرّر حل مجلس الشعب بقرار معلّل صادر عنه.

وتجري الانتخابات لمجلس جديد خلال ستين يوماً من تاريخ الحل، ولا يجوز حل مجلس الشعب أكثر من مرة لسبب واحد، وفق المادة ذاتها.

مع الإشارة إلى أنّ الإدارة السورية الجديدة صرّحت بتجميد الدستور السوري، وقال أحمد الشرع خلال لقائه مع قناة “العربية” إنه يحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل لإعداد الدستور.

أمثلة عن حل البرلمان السوري خلال القرن الفائت

في تاريخ سوريا الحديث، تم حل البرلمان عدة مرات، وغالباً في ظل تغييرات سياسية أو دستورية كبيرة.

حل البرلمان 1958

في عام 1958 قامت “الجمهورية العربية المتحدة”، بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وأصدر رئيس الجمهورية آنذاك قراراً بحل الأحزاب والهيئات السياسية في سوريا، وفق “مجلس الشعب السوري”، وجرى دمج البرلمان السوري بالبرلمان المصري ليشكلا معاً “مجلس الأمة”.

وجاء في دستور الجمهورية المتحدة في آذار عام 1958 في المادة ( 13 ) منه أنّه “يتولى السلطة التشريعية مجلس يسمى مجلس الأمة، يحدد عدد أعضائه ويتم اختيارهم بقرار من رئيس الجمهورية، ويشترط أن يكون نصفهم على الأقل من بين أعضاء مجلس النواب السوري ومجلس الأمة المصري”.

وبعد انهيار الوحدة بين سوريا ومصر عام 1961، عاد مجلس النواب السوري إلى عهده ما قبل الوحدة، وفي العام نفسه جرت انتخابات برلمانية ورئاسية انتهت بفوز ناظم القدسي برئاسة سوريا.

حل البرلمان 1963

وفي 8 آذار 1963، شهدت سوريا انقلاباً عسكرياً قاده “حزب البعث العربي الاشتراكي” أسفر عن حل البرلمان السوري وتعليق الدستور القائم وإقالة الحكومة القائمة آنذاك، وسيطرة حزب البعث على السلطة، وتم استبدال البرلمان بمجلس وطني لقيادة الثورة، وهو هيئة مؤقتة لإدارة شؤون الدولة، وفق “مجلس الشعب السوري“.

حل البرلمان في عام 1971

في عام 1971، شهدت سوريا تحولات سياسية بعد الحركة التصحيحية التي قادها حافظ الأسد في تشرين الثاني 1970. بعد هذه الحركة عيّن أحمد الخطيب كرئيس مؤقت للدولة، بينما تولى الأسد منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع.

 في شباط 1971، أُصدر دستور مؤقت جديد، وتم تعيين 173 عضواً في مجلس شعب مؤقت، ووفق “اندبندنت عربية”، مجلس الشعب الذي تم تشكيله كان معيناً من قبل السلطات الحاكمة دون إجراء انتخابات، واستمر هذا الوضع حتى عام 1973، حيث أجريت أول انتخابات لمجلس الشعب في ظل الدستور الجديد.

حل البرلمان في سياق التعديلات الدستورية عام 2012

جرى حل البرلمان في إطار التحضير لانتخابات تشريعية جديدة وفق الدستور الجديد.

وفي السابع من أيار عام 2012 ، أدلى السوريون بأصواتهم في انتخابات تنافست فيها سبعة أحزاب لاختيار 250 عضواً لمجلس الشعب. 

وهي الانتخابات الأولى منذ صدور قانون تنظيم الأحزاب الذي وعدت به حكومة النظام السابق ضمن إصلاحات تهدف إلى إلغاء هيمنة “حزب البعث” على الحياة السياسية لأكثر من نصف قرن، وذلك بعد اندلاع  الثورة السورية لأكثر من عام.

إيمان حمراوي – عن روزنة

أضف تعليق