لم يعد للحيطان آذان!. صار بإمكان الشباب السوري، فرد الملفات السياسية على طاولات المقاهي، حيث يتوزعون مجموعات، يميل بعضها إلى الليبرالية واقتصاد السوق، في حين تفضل أخرى الشريعة والمحافظة على الخصوصيات، وأخرى ترى الأمن والاستقرار هدفاً يتقدم على كل شيء.
مثلث دمشق الحيوي
من مقهى الروضة، في شارع العابد بدمشق، إلى مقهى الهافانا والكمال القريبين من المكان، سيكتشف العابر، أن الشارع السياسي النشط، يتركز في هذا المثلث الحيوي، الذي لا تغيب عنه حوارات الشعر والموسيقا وطبيعة الانقلاب الفني الذي سيرافق تبدلات المشهد المتسارعة.
يأخذ العامل الاقتصادي دوره في توزع ورشات الشباب في تلك المقاهي. فيختار الناشطون الوافدون حديثاً من الخارج، مقهى الروضة غير متأثرين بأسعاره المرتفعة. لكن الأقل دخلاً يرون في “الهافانا” و”الكمال”، خياراً معتدلاً، نظراً لدخلهم المنخفض. وإذا ما ذهبنا باتجاه “مقهى الشرق الأوسط”، فستغلب الجلسات الشعبية غير المكترثة بهموم النخب، كأنها تنسجم مع دلالات الجغرافيا في اسم المكان.
60 ألف ليرة سورية، مقابل فنجاني قهوة! مبلغ ثقيل على موظف يقبض 25 دولاراً في الشهر. لهذا لن تتردد شريحة بالنزول مع أفكارها إلى الحدائق، حيث ستتقاسم مع العشاق والعائلات، مساحات العشب، ومقاعد الخشب التي نادراً ما يشغر فيها مكان.
مقهى الروضة.. طاولات متقاربة
سحب مقهى الروضة، البساط من تحت مقهى “الهافانا”، الشهير تاريخياً، كقبلة للسياسيين والمثقفين. فالمكان هنا رحب، فيه فسحة سماوية، وردهة داخلية مقبية بالخشب، أما إذا اختار الزائرون الهدوء، فهناك مكان مغلق ينعزل بهم عن الضجيج.
منذ الوهلة الأولى عندما تعبر مدخل مقهى الروضة، ستعثر على الروائي خليل صويلح خلف طاولته المفضلة، مع نخبة من الكتاب والإعلاميين. أما إذا نظرت لليسار قرب البحرة، سترى عشاق النرد والورق والأركيلة. وباتجاه الداخل، حيث المكان يشبه “الليوان” المطل على بقية الأقسام، فلن تتفاجأ بياسين الحاج صالح، وهو يعقد ندوة حوارية مع الشباب حول “العدالة والصفح في سوريا اليوم”.
ترى ما الذي حصل في البلاد، حتى انقلبت أجواء الأمكنة بهذا الشكل؟ فمنذ يوم سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، تأسست عشرات الجمعيات المهتمة بشؤون المجتمع المدني، التي رأت بالمقاهي، المكان الأنسب لجلساتها. تقول الناشطة مريم البطرس: “مقهى الروضة يشعرنا بالحميمية والتشارك بالأفكار انسجاماً مع طبيعة المكان”.
ومن طرائف مقهى الروضة، أن الطاولات المتقاربة للرواد، تجعل بعضهم عاجزين عن مقاومة “بقّ البحصة” والتدخل في حديث الطاولة المجاورة إذا ما اقتضى الأمر ذلك. إنها التشاركية في الهموم والأهداف، تقول مريم وهي تبتسم برضا، عن هذه الظاهرة السورية.
أمسيات الاحتفال بنصر الثورة، لم تغب عن مقهى الروضة، فالقائمون على المكان، شاؤوا المشاركة على طريقتهم، كما حضر في إحدى الأمسيات الفنان وصفي المعصراني، المعروف بفنان الثورة، وخُصص ريع الحفل للمنظمات الخيرية وإعادة توطين السوريين.
تأسيس جمعيات ونشاطات للحفاظ على السلم الأهلي
يقول الشاب سامر الكيلاني، إن اهتماماته انقلبت جذرياً بعد سقوط النظام. ويضيف: “تعرفت إلى مجموعة شباب في مقهى الروضة، وشرعنا بتأسيس لقاء تطوعي للمشاركة في القضايا الجديدة التي لم تكن موجودة في حياة السوريين، مثل المشاركة في الاعتصامات، وتنظيف الأماكن العامة، ونشر الوعي للحفاظ على السلم الأهلي”.
تُرى، أين كانت مختبئة هذه الإمكانات والأجواء؟. تقول مريم، إن السوريين خرجوا من القمقم، وكلما مضى وقت أطول، سنفاجأ بكثير من التجمعات ومشاريع العمل والنشاطات غير المألوفة، فالانقلاب الذي حصل بالمشهد، سيعكس تبدلات من هذا النوع.
يتوقع بعض الشباب، أن تضيق المقاهي بروادها وتصبح عاجزة عن الاستيعاب، ولربما اختار المسرحيون تقديم أعمالهم في الحدائق، نظراً لإغلاق المسارح، أما الشعراء، فقد يقرؤون نصوصهم في الساحات العامة. وتضيف مريم: “إنها الثورة التي تدفعنا للتمرد والابتكار”.
تختصر شجرة الكينا عند مدخل مقهى الروضة، بعضاً من ازدحام المشهد السوري بكل شيء هذه الأيام، فإعلانات الوفيات، تتجاور مع دعوات للمشاركة في الاعتصامات والتظاهر ضد الاحتلال الإسرائيلي، هنا يختار الناشطون وآل الفقيد، وضع إعلاناتهم، حيث الرصيف يعج بالعابرين على مدار الساعة.
“إنها قيامة سوريا”، كما تسميها مريم. فبعد 54 عاماً من المنع والحجب ومطاردة التجمعات، يتمنى الناس لو يستطيعون التعبير عن كل شيء، في يوم واحد، إنها أكبر عملية “تنشيط للخيال”، يقول سامر، ويتوقع أن تصبح النشاطات أكثر احترافاً وتنظيماً في الفترة المقبلة.
توفر مقاهي دمشق، خدمة الإنترنت وإمكانية شحن أجهزة اللاب توب، للشباب المجتمعين، وهو ما يعطيها نقطة جذب إضافية، لكن هذه الميزات، ستضاف إلى الفاتورة كما يقول النادل، فالوقود المشغل للمولدات، مازال باهظ الثمن كثيراً.
تثور الأمكنة في سوريا، تضامناً مع روادها. وتتصدر المقاهي جغرافيا مواكبة التبدلات الحاصلة في الأرصفة وواجهات المحلات ووجوه العابرين الذين غابوا دهراً طويلاً عن دمشق، إلى أن أعادتهم الثورة. فالرجوع إلى الجذور، ثورة هو الآخر، هكذا تقول مريم.
زيد قطريب – تلفزيون سوريا
