إن كنت في سوريا، فأنت مجبَر على ترتيب أولوياتك وبدء يومك بصعوبة وتعقيد. الماء شديد البرودة لغسل وجهك أو الوضوء أو الاستحمام، الهاتف يحتاج إلى شحن والكهرباء مقطوعة، المدفأة تحتاج إلى مازوت، الثلاجة فيها طعام فاسد لأنه لم تأت الكهرباء ليلاً، كل شيء من الأساسيات تأمينه صعب ومرهق للمواطن، خصوصاً في المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام المخلوع.

في دمشق وريفها، تختلف درجات الحرارة، ولكن بشكل عام تتراوح بين 13 درجة مئوية نهاراً ودرجتين مئويتين ليلاً. هذا الطقس البارد يجعل مياه الخزان شديدة البرودة ليلاً، ولا تكتسب إلا القليل من الدفء خلال النهار، حيث يكون الناس في أشغالهم.

في هذا التقرير، سنلقي الضوء على بعض الخطط التي يعتمدها السوريون لتسيير شؤونهم اليومية، وهي كلها من البديهيات الموجودة في معظم دول العالم، لكنها باتت تحتاج إلى تكاليف باهظة، فالماء والكهرباء والدفء أساسيات يعاني منها السوريون منذ عقود، إلا أنها خلال السنوات الخمس الأخيرة أصبحت عقدة حياتهم الحقيقية.

خطة الكهرباء

عند السابعة مساءً، تخلو الشوارع وتصبح عتمة في عتمة، إلا من بعض أضواء العائلات الميسورة التي تنير الطرقات للبقية، في حين ما تزال الإدارة الجديدة تحاول أن تفهم وضع البلاد المتروكة والمُهمَلة، بينما الشعب هائم على وجهه يبحث عن لقمة العيش فلا يكاد يجدها.

تأتي الكهرباء ساعة واحدة في الصباح عند التاسعة أو العاشرة، بحسب المنطقة، ومرة أخرى في المساء بالتوقيت نفسه، وأحياناً عند الرابعة لنصف ساعة. هذه المدة غير كافية لتشغيل كل شيء: سخان الماء، المدفأة الكهربائية، المكيف على وضع التدفئة، شحن الهواتف والبطاريات، الغسالة، الثلاجة، الجلاية (لمن يملكها)، المكنسة الكهربائية، وفرن الغاز لإعداد وجبة ما.
في بعض الطرقات، بدأت القلّايات الكهربائية بالانتشار، والباعة المتجولون يقولون إنها لا تحتاج سوى ملعقة زيت واحدة لأي طبخة، وينادون عليها بأنها “مقلاة صحية”. يتجمع الناس حول البائع ليستمعوا إلى شرح عن آلية عملها وأهميتها، لكن معظمهم يسأل فقط من باب الفضول ثم يعلق قائلاً: “حالياً ما في كهرباء، بلكي بس تنحل قصتها منشتري منها”.

الكهرباء في سوريا عقدة مستمرة، تتسبب في مشكلات عائلية، وأرق، وأمراض، لأن الحياة اليوم مبنية بكليتها على الطاقة الكهربائية: في الشتاء لأجل التدفئة وتسخين المياه، وفي الصيف لأجل التبريد، تشغيل المراوح والمكيفات، تشغيل الثلاجات، وتأمين المياه الباردة.

كل بيت فيه بطارية أو اثنتان على الأقل، لإضاءة ما يُعرف بـ “اللّدة”، وهي مصابيح (LED) التي تُعرف أيضاً في بعض الدول العربية باسم “الثَبلات”، وتُعتبر من أوفر المصابيح الكهربائية من حيث استهلاك الطاقة. وتعمل هذه المصابيح على بطارية السيارة أو بطاريات أصغر حجماً تُشحن عبر مولد كهربائي عند عودة التيار، كما أن هناك بطارية أخرى لتشغيل جهاز الإنترنت (ADSL الواي فاي) لبث الإنترنت.

في كل البيوت التي دخل إليها موقع تلفزيون سوريا، هناك وصلات كهربائية متعددة لشحن الهواتف المحمولة، ولكل فرد في العائلة شاحن محمول (باور بنك)، إلى جانب استغلال فرصة توفر الكهرباء لشحن الهواتف والبطاريات والشواحن المحمولة.

ومع بدء التحرير، بدأ الناس يطالبون بتحسين وصل الكهرباء أو تطبيق العدالة في التوزيع على جميع المناطق بالتساوي، إلا أنه حتى الآن، ما زالت مدن وقرى ريف دمشق تعاني من وضع خدمي متردٍ، في ظل الوضع المأساوي والإهمال الذي خلفه النظام المخلوع.

في البيوت الميسورة، أو التي لديها أفراد مغتربون، تمكن البعض من تركيب نظام طاقة شمسية لتوليد الكهرباء، وهو ما يكفي لتشغيل معظم الأجهزة المنزلية طالما كانت تعمل على نظام التبريد، مثل الثلاجة والبراد والغسالة (على حرارة منخفضة)، والتلفزيون والإنترنت والمصابيح. لكن إن لم تكن الشمس قوية أو لم يتم شحن البطاريات عبر الكهرباء عدة مرات، فإن الطاقة الشمسية لا تستطيع توليد الكهرباء لأكثر من 22 ساعة متواصلة، وأحياناً أقل أو أكثر بحسب الاستخدام.

خطة الاستحمام

فيما يخص الاستحمام، فالأمر ليس سهلاً، إذ تتشابك الخطط ببعضها البعض، خاصةً في فصل الشتاء حيث يحتاج الاستحمام إلى مياه ساخنة بكميات كافية، يتم تأمينها بحسب القدرة المادية، هذا إن توفرت المياه أصلاً مع الانقطاع المستمر لهذه المادة الأساسية في الحياة.

يمكن تسخين الماء على مدفأة المازوت، حيث تستفيد العائلة من الدفء وتسخين مياه الاستحمام في آنٍ واحد. وفي معظم البيوت، توجد براميل معدنية لتسخين المياه، يتم وضعها على المدفأة حتى تصل إلى درجة حرارة قريبة من الغليان، ثم يتم حملها إلى الحمام لمزجها بالماء البارد وتعديل حرارتها. بالطبع، لا يكفي البرميل الواحد لاستحمام جيد، لكنه يؤدي الغرض إلى حدٍّ ما.

عادةً، لا يتجاوز نصيب الفرد من الاستحمام مرتين أسبوعياً على أكبر تقدير، وقد تصل إلى ثلاث مرات إن كان عدد أفراد العائلة قليلاً، خاصة أن تسخين الماء يحتاج إلى كميات أكبر من المازوت، إذ يجب أن تكون النار قوية ومستمرة.

المشكلة الوحيدة التي تواجه المستحم بهذه الطريقة هي برودة الحمام، إذ لا يكفي البخار المتصاعد من الماء الساخن لتدفئة المكان أو جعله مناسباً لأخذ دوش سريع، لكن معظم الناس اعتادوا على ذلك.

هناك “القاظان”، وهو سخان الماء الذي يعمل على الحطب أو المازوت، ومعظم هذه السخانات موصولة بالكهرباء أيضاً، إلا أنها تحتاج إلى وقت طويل لتسخين المياه عبر الكهرباء، أما المازوت والحطب فيزيدان من التكاليف اليومية للعائلة.

ويصل سعر ليتر المازوت في سوريا اليوم إلى ما بين 12,500 و14,000 ليرة، بحسب النوعية والجودة، خصوصاً أن هناك أنواعاً غير مضمونة ذات رائحة سيئة جداً، ومخلوطة بزيت سيارات محروق أو زيوت وشحوم.

النوع الثالث من أنظمة تسخين المياه هو استخدام ما يُعرف بـ”الحراق”، وهو نفس “الأظان” أو سخان الماء العادي، ولكنه مزود بموتور يعمل على المازوت أو الغاز (يشبه جهاز “الكومبي” المستخدم في التدفئة في تركيا)، ويعمل على تسخين الماء، لكنه يحتاج إلى الكهرباء والمازوت أو الغاز، وهو مكلف، حيث يتراوح سعره بين 600 وألف دولار تقريباً.

كما يعمد بعض السوريين إلى استخدام أنظمة الطاقة الشمسية لتسخين المياه، وهي أكثر كفاءة في فصلي الصيف والربيع، نظراً لطول مدة سطوع الشمس، لكن هذا النظام يحتاج إلى الكهرباء لنقل المياه إلى أنابيب الطاقة بشكل دوري.

خطة المياه

من الاستحمام ننتقل إلى مشكلة المياه، التي أصبحت نادرة في سوريا اليوم. فالأمطار تهطل بمعدلات أقل من المعتاد، والثلوج لا تتساقط إلا في المناطق الجبلية، ما أدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية في الآبار، وتراجع مستويات المياه في البحيرات والأنهار.

كما أن البلديات ووحدات المياه المسؤولة تقطع المياه عن المنازل لعدة أيام، مقابل وصلها ليوم أو يومين فقط في الأسبوع، وعادةً ما تكون ضعيفة وتحتاج إلى مولد كهربائي لضخها إلى الخزانات.

شح المياه وقطعها المتكرر يدفع السكان إلى وضع خطط شبه يومية لتأمين مياه الشرب والاستخدام المنزلي. فيضطر كثيرون إلى شراء صهاريج الماء، التي تصل كلفتها إلى 50 ألف ليرة لكل 5 براميل.

هناك بعض العائلات التي تمتلك آباراً خاصة في منازلها، لكنها تحتاج إلى الكهرباء لمدة معينة حتى تتمكن من ضخ المياه إلى الخزانات المنتشرة على الأسطح.

كما أن عدداً ممن التقينا بهم اشتكوا من انعدام نظافة مياه الشرب، ما يدفعهم إلى شراء المياه المعدنية المعبأة، التي تُعرف باسم “مياه بقين” في سوريا، حيث يصل سعر عبوة اللتر ونصف إلى 10 آلاف ليرة على الأقل.

خطة التدفئة

الجدران باردة، ففي سوريا لا يوجد عزل حراري للبيوت، مما يجعلها أبرد من الأجواء الخارجية. وقد اعتاد الناس على مدافئ المازوت بكل ما تحمله من ذكريات إيجابية وسلبية. لكن الوضع الاقتصادي لم يعد يسمح بشراء الكستناء لشوائها على المدفأة إلا نادراً، بينما ما يزال تسخين السندويشات بالزيت والزعتر والجبنة والخبز مستمراً حتى الآن.

ما زالت مدافئ المازوت تعاني بعض المشكلات التي تزعج السوريين، مثل انبعاث الدخان ذي الرائحة السيئة، أو تطاير السخام (الشحار)، أو عدم عملها بكفاءة كافية لتوفير التدفئة المطلوبة.
أما التدفئة المركزية، فهي شبه معدومة إلا في الفنادق والمنازل التي يمتلك أصحابها قدرة مالية مرتفعة. فالعائلة التي تحتاج إلى تشغيل التدفئة على مدار 24 ساعة تستهلك ما لا يقل عن 6 ليترات من المازوت يومياً، أي ما يعادل قرابة 80 ألف ليرة سورية يومياً. لذلك، تلجأ معظم العائلات إلى تشغيل المدافئ لساعات محدودة خلال الليل، ثم تطفئها وتخلد للنوم تحت ثلاث أو أربع بطانيات، مع ارتداء ملابس شتوية منزلية كاملة.

بعض العائلات تستخدم مدافئ الكهرباء عندما تتوفر الكهرباء، أو مدافئ الغاز رغم كلفتها العالية، إذ ما زال الغاز غير متوفر بشكل واسع حتى بعد سقوط النظام المخلوع، ويصل سعر جرة الغاز حالياً إلى ما بين 180 ألف و300 ألف ليرة.

التدفئة على الحطب، رغم رائحتها الكريهة وصعوبات التشغيل والتنظيف، ما تزال خياراً لبعض العائلات، سواء لتدفئة المنازل أو لتشغيل سخانات المياه.

خطة طهي الطعام وحفظه

يُعد تأمين الطعام وتوفيره يومياً تحدياً كبيراً في سوريا، لكن التحدي الأكبر هو القدرة على حفظه، خاصة مع الانقطاع المتكرر للكهرباء، مما يجعل تخزين الطعام في الثلاجات لفترات طويلة أمراً صعباً.

يلجأ البعض إلى وسائل تبريد بديلة، مثل الثلاجات التي تعمل على الغاز، أو شراء الطعام بكميات أقل وفقاً لما هو متاح.

إعداد الطعام نفسه يحتاج إلى تخطيط أيضاً، فمع انقطاع الكهرباء لا يمكن استخدام الأجهزة الكهربائية بشكل فعال، مما يدفع العائلات إلى الطهي بوسائل تقليدية، مثل الغاز المتوفر بكميات محدودة، أو مدافئ المازوت والحطب.

أما تأمين الخبز، فكان من أكبر المشكلات التي أرهقت السوريين لعقود، إذ فرض النظام طوابير طويلة للحصول عليه، لكن منذ التحرير أصبح الخبز متوفراً بشكل دائم بسعر 4,000 ليرة للربطة الواحدة، وفي جميع الأوقات.

خطة النقل والإنترنت

التنقل بين المناطق في سوريا أصبح تحدياً آخر، خاصة مع نقص الوقود وارتفاع أسعاره قبل سقوط النظام، إضافة إلى تعثر توفر وسائل النقل. أما حالياً، فقد أصبح النقل متوفراً، لكنه بات مكلفاً جداً، حيث تبدأ تعرفة الركوب من 5,000 ليرة وتصل إلى 20,000 ليرة، وذلك بحسب المسافة وطول خط السرفيس، دون الحديث عن جودة النقل والوسائل المستخدمة فيه.

كما أن معظم السيارات متهالكة ولا تفي بالغرض دائماً، واستخدامها مكلف رغم انخفاض أسعارها بعد سقوط النظام، إلا أن تكاليف تشغيلها مرتفعة، حيث يصل سعر ليتر البنزين إلى 14,000 ليرة سورية وسطياً، مما يعني أن رحلة ذهاب وإياب بين دمشق وريفها لمسافة 40 كيلومتراً تحتاج إلى 6 ليترات وسطياً.

وتعاني الطرقات في سوريا من كثرة الحفر ورداءة تعبيدها، إضافة إلى كثرة المطبات وانعدام الإضاءة، مما يزيد من استهلاك الوقود، حيث لا تستطيع المركبات السير بسرعة مناسبة تقلل من استهلاك المحروقات.

أما بالنسبة للإنترنت، فالوضع سيئ جداً من حيث السرعة والتغطية في معظم المناطق، ما يضطر كثيرين إلى الاعتماد على بيانات الهاتف المحمول بدلاً من الإنترنت الأرضي (واي فاي)، بسبب بطء الأخير وعدم قدرة السوريين على إتمام مكالماتهم، أو متابعة دراستهم وأعمالهم، نظراً لضعف السرعة المتوفرة.


عبد الناصر القادري – ABDULNASIR ALKADRI – تلفزيون سوريا

أضف تعليق