تعاني صناعة النشر في مصر من أزمات عدة، أهمها ارتفاع أسعار الكتب، وتكلفة الطباعة، والقرصنة، وهي أزمات قد تعاني منها صناعة النشر في كل دول العالم، إلا أنه في مصر تواجه هذه الصناعة تحديات أكبر، أهمها التضييق الأمني والمنع سواء من الدولة أو التيارات الدينية، الأمر الذي يعني تفريغ معرض الكتاب من هدفه الأساسي كمساحة حرة لكل الأفكار.
قبل أسابيع، كان الكاتب المصري عمر سعيد يستعد لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث يشارك بكتابه المشترك مع الكاتب الصحافي محمد العريان “ثلاث ستات… سيرة من ليالي القاهرة” الصادر عن “دار المرايا”. المعرض فرصة عمر سعيد الأهم للقاء الجمهور، لكن هذه الفرصة ضاعت بعد منع الدار من المشاركة في المعرض.
يقول عمر سعيد لـ”درج”: “لا أفهم أسباب المنع، ولا أعتقد أن الدار نفسها تعلمها، لكن هذا المنع هو قرار تضييق يمثل ضرراً على الكتاب، فهو لا يمنعهم من الوصول الى القراء فحسب لكنه يمنعهم أيضاً من فرصة عظيمة يوفرها المعرض لهم، وهي الالتقاء بشريحة أكبر من القراء، لا سيما قراء الأقاليم أو قراء المناطق البعيدة الذين ليست لديهم فرصة للاحتكاك بدور النشر المركزية في العاصمة القاهرة، وكذلك شريحة من القراء العرب الذي يحضرون الى القاهرة لزيارة معرض الكتاب سنوياً”.
يرى عمر أن قيمة معرض الكتاب ليست مادية، وإنما ثقافية، بوصفه فرصة للقاء كتاب آخرين، والاطلاع على إصدارات جديدة، ولقاء الناشرين ومتابعة الاتجاهات الثقافية المختلفة، وكل هذه الفرص حُرم منها كتاب دار “المرايا”، في ممارسة تضييقية تتنافى مع فكرة المعرض نفسه، الذي من المفترض أنه ملتقى ثقافي سنوي تلتقي فيه الآراء كافة، لكنّ القائمين قرروا ضرب هذه الفكرة بمنع الدار من المشاركة لأسباب غير مفهومة.
يشير بيان الدار الصادر نهاية كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إلى أن الهيئة العامة للكتاب، قررت، من دون شرح الأسباب، منع دار المرايا من المشاركة في المعرض الذي كانت حاضرة فيه منذ عام 2017 حتى عام 2023، كذلك أُغلق حسابها على موقع المعرض، وحاول اتحاد الناشرين وكذلك أصدقاء للدار معرفة أسباب المنع إلا أن الهيئة رفضت ذلك.
وقالت الدار في البيان، إنها “تسدد التزاماتها المالية تجاه المعرض بانتظام ولم تتخلف في أي سنة من السنين عن سداد جميع التزاماتها بشكل مسبق قبل بداية المعرض وخلال المواعيد التي تحددها الهيئة، وإن جميع الأوراق الإدارية التي تخص الدار سليمة ومحدَّثة ومنضبطة تماماً من جميع النواحي القانونية والمالية، وتوجد نسخ لها مودعة لدى اتحاد الناشرين وهيئة الكتاب، وهذا كله يعني أن الإصرار على منع المرايا من المشاركة في المعرض هذا العام، ليس له تفسير أو أي سند من المنطق”.
ما حدث مع دار “المرايا” ليس الواقعة الأولى التي تُمنع فيها دور نشر من المشاركة في معرض الكتاب، الحدث الثقافي الأهم في الوسط الثقافي المصري، ففي الدورة السابقة للمعرض، فوجئت دار “الكتب خان” بمنعها من المشاركة فيه، حسبما نشرت كرم يوسف، مؤسسة الدار عبر حسابها على موقع “فيسبوك”.
قالت يوسف حينها: “قبل ساعات من استلام جناح “الكتب خان” بالمعرض فوجئنا بمنعنا تعسفياً من المشاركة في هذه الدورة من قبل إدارة المعرض، وبدون إبداء أية أسباب واضحة أو إخطار رسمي مسبق. بل وبتسليم المساحة المتفق عليها لجناحنا والتي تم سداد كافة المصروفات واستيفاء الأوراق المطلوبة للمشاركة في المعرض حسب الشروط المعلنة، إلى دار نشر أخرى. وهو ما يعني تبديد مجهودات مجموعة متميزة من الكتاب والكاتبات كذلك العاملين بالدار لشهور عديدة تجهيزاً للمشاركة في الموسم الثقافي الأهم من كل عام”، إلا أن هذا المنع لم يستمر، إذ عادت الدار الى المعرض بعد ساعات من هذا البيان، وقيل آنذاك إنه استدراك للخطأ، وهو السيناريو الذي تكرر مع دار نشر “ديوان العرب”.
منع مستمر
من جهة أخرى، لم يكن لدار نشر “تنوير” الحظ نفسه، إذ مُنعت من المشاركة في الدورة السابقة للمعرض بحسب بيان الدار الذي نشر العام الماضي، وهو المنع الذي استمر هذا العام أيضاً.
هذا العام، أتيح لدار نشر ومكتبة “تنمية” المشاركة في المعرض بعد سنوات من التنكيل، بدأت باعتقال مؤسسها خالد لطفي ومحاكمته عسكرياً بسبب نشره نسخة مصرية من كتاب “الملاك” الذي يتناول قصة حياة أشرف مروان، مدير مكتب الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وصهر سابقه جمال عبد الناصر، إذ اقتُحمت الدار في 2017، وأُجبرت على إعدام نسخ الكتاب كافة، قبل أن تحال القضية الى القضاء العسكري بدلاً من المحكمة الاقتصادية المعنية بالقضايا المماثلة، والذي حكم على مؤسس الدار بالسجن خمس سنوات.
كذلك، تم إنهاء مشاركة الشبكة العربية للأبحاث والنشر في المعرض بدورته لعام 2022 بتمزيق لافتاتها، وإجبار العاملين فيها على مغادرة المعرض بسبب إعلان مؤسسها نواف القديمي إغلاق فروع الشبكة ومكتباتها كافة في مصر بسبب التضييق الأمني على أنشطتها، الأمر الذي وصل الى احتجاز شحنات من الكتب القادمة من بيروت الى المكتبات.
في 2018، صرح هيثم الحاج، رئيس الهيئة العامة للكتاب حينها، بأن المعرض سيشهد منعاً للكتب التي تمثل فكر جماعة الإخوان المسلمين، وهو المنع الذي تُرجم عام 2022 بمنع دار نشر “عصير الكتب” بسبب كتاب للكاتب أحمد خيري العمري، وهو الاتهام الذى لاحق الدار لفترة طويلة، ووصل إلى أروقة المحاكم قبل أن تعود مرة أخرى الى المشاركة في المعرض.
ليلى خالد – درج
