السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه.

لم أسمع بسجن صيدنايا الرهيب بعد الثورة السورية فقط، إذ كنت أسمع عنه وعن غيره، وبخاصة سجن تدمر، الذي ربما كان أكثر هولاً منه، قبل ذلك بثلاثة عقود، مع قصص الزنازين المهولة لأجهزة المخابرات السورية المتعدّدة، التي تعج بها المدن السورية، لا سيما دمشق، حيث كنت أسمع حكايات من أصدقاء كثر كانوا مروا بتلك التجربة الفظيعة، سواء لأشهر معدودة، أو لأكثر من عشرة أعوام.

بينما كنت أسمع قصص أصدقائي وسيرتهم في المعتقلات، في بعض اللحظات، كانت رجفةٌ تسري في جسمي، مع شعور بنوع من الذهول، ربما كان يأخذني التخيل إلى شيء لم أكن أستطيع تصوّره، ويفضي لي إلى كوابيس مزعجة ومرعبة.

كنت أتخيل هذا الصديق، أو ذاك، ككائن مستضعف، وقد سلب آدميته، وبات مجرد مختبر لأفانين من التعذيب، إذ ليس الغرض سحب معلومات، أو الإذلال، وإنما التعذيب لأجل التعذيب، وهذا أقسى، وأكثر وحشية، من القتل، لأن القتل ينهي المسألة، بينما التعذيب يبقي الألم، الذي لا يمكن تحمّله.

لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمت الى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه.

تخيلوا أن الحديث هنا يتعلق بأشخاص كل ما فعلوه أنهم حاولوا أن يكون لهم رأي آخر، أن يقولوا غير ما يقوله النظام، أن يطالبوا بحقوقهم بالحرية، وبالكرامة، وبالمشاركة السياسية، أو بأشخاص كل ما فعلوه أنهم قرأوا ورقة لتنظيم معارض، أو صدف أن مرّ في بيتهم شخص معارض، أو تجنى عليهم مخبر صغير لغرض ما، أو تقصدت شخصية سياسية أو عسكرية محوهم من الحياة لأي سبب.

في أثر الأصدقاء…

أتت مناسبة دعوتي من الإعلامي الفلسطيني واصل حميدة للمشاركة في إعلان تأسيس رابطة للمعتقلين السياسيين في سجن صيدنايا (14/2/2025)، وصدف أن تعرفت في هذه الزيارة إلى عدنان القصار، الفارس والسجين، الذي أمضى 22 عاماً في السجون السورية، وضمنها سجن صيدنايا، وذلك لمجرد أنه فاز على باسل الأسد، الذي آثر التخلّص منه، في فورة غضب، بزجّه في السجن، 22 عاماً فقط!

كانت تلك الزيارة غير المخطّط لها واردة في ذهني، أي إنني كنت أريدها، أو كنت أتحيّن أي فرصة للقيام بها، كنت أريد أن أعرف كيف أمضى أصدقائي سنواتهم تلك في هذا السجن الرهيب، أو في غيره. كنت أريد أن أعرف، أو أن أرى أين كانوا، أو ما هو هذا المكان الذي كانوا فيه… أين وكيف كانوا يمضون أوقاتهم… كيف ناموا أو أكلوا أو اغتسلوا أو نادموا… ما الذي كانوا يروه من أماكنهم… ما الذي حلموا به…

شيء ما كان يدفعني لأن أعرف ذلك… كأنه نوع من العرفان لهؤلاء الذين حفروا الأساس لانهيار نظام الأسد، الذي ظن أن سوريا مزرعة خاصة لهذه العائلة المافيوية، التي تبينت عن شخصيات تافهة ووضيعة، وتصرفت كأنها لا تمت بصلة لا الى سوريا ولا الىى شعبها…

في زيارتي تلك إلى سجن صيدنايا، كان معي، في مخيلتي، كل أصدقائي من المعتقلين السياسيين السابقين، أصلان عبد الكريم، وسمير الحسن، وأنور بدر، وعلي الكردي، وأكرم البني، وفضل السقال، ونبيل إبراهيم، وهؤلاء أمضوا في معظمهم أكثر من 12 عاماً في سجون سوريا، أكثرها في سجن صيدنايا، وأكثرهم خرج من السجن وقد وجد ابنته أو ابنه في ريعان الشباب، أي أنهم حُرموا وأبناؤهم من أهم لحظات العمر… في هذا السجن، أيضاً، زجّ نظام الأسد لسنوات عدة، أواسط الثمانينات، عشرات من منتسبي حركة “فتح”، من معظم مخيمات سوريا.

كانت للحظة الدخول إلى هذا السجن رهبةٌ، إذ يجب أن تقطع طريقاً طويلاً، من البوابة الخارجية الرئيسية إلى البوابة الداخلية، قد تستغرق نصف ساعة مشياً على الأقدام، في الحر أو في القر، كأن ذلك كان مخططاً لإرهاق وإذلال أهالي المعتقلين، الذين كان يسمح لهم بالزيارات أحياناً. 

وأنا أعبر هذا الطريق الطويل (في سيارة)، الذي يأخذنا إلى المرتفع الذي بني عليه السجن، والذي يبدو من بعيد كقلعة صماء، في منطقة جرداء، تذكرت أم سمير وأختيه أمل وحنان، وقد حدّثنني مراراً عن مصاعب تلك الزيارة، لا سيما أنهن كنّ يقطعن تلك المسافة مشياً على الأقدام، وكل واحدة منهن تدفع أمامها عربة مليئة بالمواد التموينية مع ملابس وأغراض أخرى (مسموح بها) لرؤية سمير، وهذا ما كانت تفعله منى أسعد، زوجة أنور، مع طفلتها، آنذاك، يارا، لرؤية زوجها، وكي تتعرف يارا على أبيها.

ماجد كيالي – كاتب فلسطيني – درج ميديا

أضف تعليق