طعام نصف منتهي مغطى بالعفن على أسرّة النوم، زيّات عسكرية متناثرة، وأسلحة مهجورة – هذه هي بقايا الانسحاب المفاجئ من هذه القاعدة التي كانت في يوم من الأيام تابعة لإيران ومجموعاتها المتحالفة في سوريا.

المشهد يحكي قصة ذعرٍ مفاجئ. القوات المتمركزة هنا فرت دون سابق إنذار تقريبًا، تاركة وراءها عقدًا من الوجود العسكري الذي انهار في غضون أسابيع قليلة.

إيران كانت الحليف الأهم للرئيس السوري بشار الأسد لأكثر من 10 سنوات، حيث أرسلت مستشارين عسكريين، وحشدت ميليشيات أجنبية، واستثمرت بكثافة في الحرب السورية.

فيلق الحرس الثوري الإيراني (IRGC) بنى شبكة معقدة من القواعد العسكرية تحت الأرض، وزود الآلاف من المقاتلين بالسلاح والتدريب. بالنسبة لإيران، كان هذا جزءًا من “حزامها الأمني” ضد إسرائيل.

نحن الآن بالقرب من بلدة خان شيخون في محافظة إدلب. قبل سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر، كانت هذه القاعدة واحدة من المواقع الاستراتيجية الأساسية لفيلق الحرس الثوري الإيراني والمجموعات المتحالفة معه.

من الطريق الرئيسي، يكاد يكون المدخل غير مرئي، مخبأً خلف أكوام من الرمال والصخور. هناك برج مراقبة على قمة تل لا يزال مطليًا بألوان العلم الإيراني، يطل على القاعدة.

قاعدة عسكرية محفورة في الجبال

دفتر إيصالات وجد في الموقع يؤكد اسم القاعدة: “موقع الشهيد زاهدي” – سُميت على اسم محمد رضا زاهدي، أحد كبار قادة الحرس الثوري الذي قُتل في ضربة جوية إسرائيلية مزعومة على القنصلية الإيرانية في سوريا في 1 أبريل 2024.

تشير الإيصالات الحديثة التي عُثر عليها – بما في ذلك فواتير شوكولاتة وأرز وزيت للطهي – إلى أن الحياة اليومية كانت مستمرة في القاعدة حتى اللحظات الأخيرة. لكن الآن، القاعدة تحت سيطرة قوى جديدة: مقاتلان من الإيغور ينتميان إلى “هيئة تحرير الشام” (HTS)، الفصيل الإسلامي المسلح، والذي أصبح قائده أحمد الشرع الرئيس المؤقت الجديد لسوريا.

القوات الإيرانية غادرت على عجل، تاركة وراءها وثائق تحتوي على معلومات حساسة. كلها مكتوبة بالفارسية، وتحتوي على تفاصيل شخصية للمقاتلين، وأرقامهم العسكرية، وعناوين منازلهم، وأسماء زوجاتهم، وأرقام هواتفهم في إيران. من الأسماء، من الواضح أن العديد من المقاتلين في هذه القاعدة كانوا من “اللواء الأفغاني”، الذي شكلته إيران للقتال في سوريا.

انسحاب مفاجئ.. بلا خطة واضحة

مصادر مقربة من الجماعات المدعومة من إيران أكدت لـ بي بي سي الفارسية أن القاعدة كانت في الأساس تضم قوات أفغانية، يرافقها مستشارون عسكريون إيرانيون وقادتهم.

السبب الرسمي الذي قدمته طهران لتدخلها العسكري في سوريا كان “محاربة الجماعات الجهادية” وحماية “المزارات الشيعية” من المسلحين السُنّة المتطرفين.

لكن، عندما حانت لحظة الحقيقة، لم تكن إيران مستعدة. الأوامر بالانسحاب وصلت إلى بعض القواعد في اللحظات الأخيرة.

يقول أحد قادة الميليشيات العراقية الموالية لإيران:
“التطورات حدثت بسرعة غير متوقعة. كان الأمر ببساطة: خذ حقيبتك واهرب!”

مصادر مقربة من الحرس الثوري أكدت لـ بي بي سي أن معظم القوات الإيرانية اضطرت إلى الفرار إلى العراق، بينما تم إرسال البعض الآخر إلى لبنان أو القواعد الروسية لإجلائهم من سوريا عبر موسكو.

محمد الرباط، أحد مقاتلي هيئة تحرير الشام، شهد تقدم مجموعته من إدلب إلى حلب ودمشق.

ويقول إنهم كانوا يعتقدون أن العملية ستستغرق “حوالي عام”، وربما “السيطرة على حلب في غضون 3 إلى 6 أشهر”. لكن لدهشتهم، دخلوا المدينة خلال أيام قليلة فقط.

سلسلة أحداث متسارعة أدت إلى انهيار النظام

سقوط نظام الأسد لم يكن مفاجئًا فقط بسبب سرعة الأحداث، بل لأنه كان نتيجة سلسلة مترابطة من التطورات.

🔹 هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر أدى إلى تصعيد الغارات الإسرائيلية ضد الحرس الثوري والجماعات المدعومة من إيران في سوريا.

🔹 إيران وحزب الله تعرضا لضغط هائل، خاصة بعد مقتل قائد حزب الله في غارة جوية، مما أدى إلى انهيار معنويات حلفاء طهران.

🔹 لكن الضربة القاضية جاءت من داخل النظام السوري نفسه، حيث ظهرت خلافات حادة بين الأسد وحلفائه الإيرانيين.

يقول الرباط:
“انهارت الثقة والتعاون العسكري تمامًا. الجماعات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني كانت تلوم الأسد على الخيانة، وتعتقد أنه كان يسلم مواقعهم إلى إسرائيل.”

ماذا تبقى من النفوذ الإيراني في سوريا؟

في طريقنا عبر خان شيخون، نصادف شارعًا لا يزال مطليًا بألوان العلم الإيراني. يقود إلى مدرسة تم استخدامها كمقر إيراني.

على جدران دورات المياه، لا تزال الشعارات المكتوبة:
“الموت لإسرائيل” و”الموت لأمريكا”.

لكن من الواضح أن المقرات أُخليت على عجل. في الداخل، عثرنا على وثائق مصنفة على أنها “شديدة الحساسية”.

عبد الله، 65 عامًا، أحد القلائل الذين عاشوا في ظل وجود الحرس الثوري الإيراني، يتحدث عن صعوبة الحياة تحت سيطرتهم.

يقول إن منزله كان على بعد أمتار قليلة من مقرهم، محاطًا بخنادق وأسلاك شائكة.

“كان التنقل ليلًا ممنوعًا”، يضيف.
“جعلوا منزل جاري نقطة عسكرية، جلسوا هناك ببنادقهم موجهة إلى الطريق، وكانوا يعاملوننا جميعًا كمشتبه بهم.”

حتى أن العديد من المقاتلين لم يكونوا يتحدثون العربية.

“كانوا أفغانًا، إيرانيين، عناصر من حزب الله. لكننا كنا نسميهم جميعًا إيرانيين، لأن إيران كانت تدير كل شيء.”

زوجته جورية تقول إنها سعيدة برحيل الميليشيات الإيرانية، لكنها تتذكر اللحظات العصيبة قبل انسحابهم.

“اعتقدنا أننا سنُحاصر وسط القتال، لأنهم كانوا يستعدون للمواجهة. ثم، فجأة، اختفوا في غضون ساعات.”

أما عبدو، الذي عاد مؤخرًا إلى منزله بعد 10 سنوات، فيقول:
“كان هذا احتلالًا… احتلالًا إيرانيًا.”

ماذا بعد؟ هل إيران لا تزال لاعبًا في سوريا؟

السلطات الجديدة في سوريا فرضت حظرًا على دخول الإيرانيين إلى البلاد، إلى جانب الإسرائيليين. لكن لم يتم فرض أي حظر على الروس.

السفارة الإيرانية، التي تعرضت لهجوم من قبل متظاهرين غاضبين بعد سقوط النظام، لا تزال مغلقة.

في طهران، ردود الأفعال متناقضة:

  • المرشد الأعلى علي خامنئي دعا “الشباب السوريين” إلى “المقاومة”.
  • وزارة الخارجية الإيرانية تبنّت موقفًا أكثر براغماتية، قائلة إن طهران “تدعم أي حكومة يدعمها الشعب السوري”.

لكن على أرض الواقع، إيران ليست مُرحبًا بها في سوريا الآن.

بعد سنوات من بناء نفوذها العسكري، كل ما بنته تحوّل إلى أنقاض، في ساحة المعركة… وفي عيون معظم السوريين.

ترجمة موقع الديوانجي

الكاتب: Nafiseh Kohnavard

ترجمة: أوكسجين

رابط المادة الأصلية: 

https://www.bbc.com/news/articles/cjw4egp7lwno

الموقع الأصلي: bbc

أضف تعليق