بعد وقت قصير من سقوط بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024، ظهرت تقارير تفيد بالعثور على مقابر جماعية في المناطق المحررة.

ورغم أن هذه الاكتشافات مروعة، إلا أنها ليست مفاجئة. فقد ظهر حجم التعذيب والقتل الذي مارسه النظام السوري في مراكز احتجازه قبل سنوات، عندما انشق مصور شرعي في يناير 2014 وغادر البلاد حاملًا معه 55,000 صورة لأشخاص تعرضوا للتعذيب حتى الموت في المعتقلات.

وبصفتي خبيرًا في الأنثروبولوجيا الجنائية والتعامل مع الضحايا في النزاعات، طُلب مني تقييم ما عُرف بـ”صور قيصر”. ما كان واضحًا بالنسبة لي في ذلك الوقت، وأصبح أكثر وضوحًا الآن، هو أن هذه الصور كانت دليلًا على نهج منهجي اعتمده نظام الأسد للتعذيب والقتل والإخفاء القسري لآلاف الأشخاص.

الآن، وبعد رحيل الأسد، تعهدت الحكومة الجديدة التي شكلتها هيئة تحرير الشام الإسلامية بالسعي لتحقيق العدالة على الجرائم التي عانى منها السوريون تحت حكم الأسد. ولكن تنفيذ هذا الأمر سيكون في غاية الصعوبة، حتى مع كون الحرب الأهلية السورية واحدة من أكثر النزاعات المراقبة بدقة في التاريخ الحديث. ومع ذلك، يظل هذا الجهد ضروريًا لتحقيق العدالة في بلد محطم وتقليل احتمالات عودة العنف إلى سوريا.

محاسبة المسؤولين عن الجرائم

منذ اندلاع الصراع السوري في 2011، عملت عدة منظمات على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، ومن بينها:

  • المركز السوري للعدالة والمساءلة
  • المرصد السوري لحقوق الإنسان
  • فريق الطوارئ السوري
  • اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة

وعلى المستوى الدولي، أنشأت الأمم المتحدة في 2016 آلية دولية محايدة ومستقلة للمساعدة في أي تحقيقات وملاحقات قضائية للمسؤولين عن الجرائم الخطيرة في سوريا منذ مارس 2011.

تشير التقديرات إلى أن عدد القتلى منذ بداية النزاع يتراوح بين 100,000 إلى أكثر من 600,000، مع تسجيل ما لا يقل عن 160,000 مدني بين الضحايا.

ورغم أن النظام السوري مسؤول عن غالبية هذه الوفيات، إلا أن مجموعات مسلحة أخرى، مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، ارتكبت أيضًا جرائم ضد المدنيين.

وهذا التعقيد قد يعيق تحقيق العدالة، حيث أن قائد هيئة تحرير الشام الحاكمة حاليًا هو مؤسس جبهة النصرة، وقد لا يكون راغبًا في محاسبة جماعته أو الجماعات الأخرى المتورطة في الانتهاكات.

من سيجري التحقيقات؟

هناك ثلاثة جوانب رئيسية لمحاسبة المفقودين بعد الصراعات:

  1. تحديد هوية الضحايا وإعادة رفاتهم إلى عائلاتهم لتمكينهم من الحداد.
  2. كشف الحقيقة حول ما حدث للضحايا ومن المسؤول عن اختفائهم أو مقتلهم.
  3. تحقيق العدالة والمساءلة والمصالحة، بغض النظر عن الجهة التي ارتكبت الجرائم.

لكن قبل تحقيق أي من ذلك، يجب تحديد من هي الجهة المسؤولة عن قيادة هذا التحقيق.

في تجارب ما بعد النزاعات، استخدمت بعض الدول آليات مختلفة لمحاسبة المتورطين:

  • أنشأت الأمم المتحدة محاكم خاصة في يوغوسلافيا ورواندا لمحاكمة المتورطين في جرائم حرب.
  • في غواتيمالا، بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1996، قادت منظمات حقوق الإنسان المحلية عملية العدالة الانتقالية، والتي كشفت أن 200,000 شخص قتلوا خلال النزاع.
  • منذ 1993، لعبت مؤسسة الأنثروبولوجيا الجنائية في غواتيمالا دورًا رئيسيًا في البحث عن المفقودين، وجمع الأدلة، وتقديم الدعم القانوني لعائلات الضحايا.

تُظهر هذه التجارب أن تحقيق العدالة ليس مجرد مسألة تقنية، بل يتطلب مشاركة المجتمع المدني والدولة على حد سواء.

ما الجرائم التي يجب التحقيق فيها؟

في سوريا، ستحتاج السلطات الجديدة إلى تحديد نطاق أي تحقيق حول القتلى والمفقودين.

  • هل ستشمل التحقيقات جميع المفقودين في مناطق النظام والجماعات المسلحة الأخرى، أم سيتم التركيز فقط على جرائم الأسد؟
  • بعض المسؤولين الجدد كانوا جزءًا من جماعات متهمة بانتهاكات، فهل سيتم محاسبتهم أيضًا؟
  • هل ستشمل المحاسبة الجرائم التي ارتكبت قبل 2011، مثل مجزرة حماة عام 1982، التي قتل فيها ما بين 20,000 إلى 40,000 شخص؟

تحديد الجهات المسؤولة ومعايير التحقيق سيكون عاملًا أساسيًا في نجاح العملية أو فشلها.

 

دور الدولة في كشف الحقائق

من التحديات التي ستواجه عملية المحاسبة في سوريا أن المعلومات التي جمعتها منظمات المجتمع المدني لا تملكها الدولة، بل تحتفظ بها هذه المنظمات لحماية الضحايا.

تُعد اللجنة الدولية للمفقودين، ومقرها هولندا، من أبرز المنظمات التي تعمل على توثيق المفقودين في النزاعات. وقد جمعت بالفعل شهادات من 76,200 من أقارب 28,000 شخص مفقود وحددت مواقع 66 مقبرة جماعية في سوريا.

لكن يبقى السؤال: إلى أي مدى ستتعاون هذه المنظمات مع حكومة يقودها فصيل متمرد متهم أيضًا بجرائم؟

هل يمكن للدولة الجديدة تحمل مسؤولية المحاسبة؟

على المدى الطويل، ستحتاج الدولة السورية نفسها إلى تولي مسؤولية العدالة الانتقالية.

  • من الناحية القانونية، الدولة تصدر شهادات الميلاد والموت، وهي مسؤولة عن تحديد سبب الوفاة في حالات الجرائم.
  • الدولة مسؤولة عن قضايا الإرث ووضعية الأرامل الناتجة عن فقدان الأزواج في النزاع.
  • تحقيق العدالة لا يمكن أن يكون مجرد جهد تقني قائم على اختبارات الحمض النووي، بل يجب أن يكون جزءًا من عملية وطنية شاملة.

ترك هذه العملية للمنظمات الدولية قد يضر بقدرة سوريا على تطوير نظامها الخاص بالمحاسبة والمساءلة.

خاتمة: العدالة الانتقالية ضرورة وليست خيارًا

إذا كانت سوريا تريد الخروج من دوامة العنف والانتهاكات، فلا بد من تمكين الضحايا وعائلاتهم من الوصول إلى الحقيقة.

يجب أن تتضمن العدالة الانتقالية:
إنشاء لجان تحقيق شفافة، يقودها سوريون مستقلون، بدعم من المجتمع الدولي.
تدريب محققين محليين ليصبحوا خبراء في الجرائم ضد الإنسانية.
محاكمة المتورطين في جرائم حرب بغض النظر عن انتماءاتهم السابقة.

قد يكون هذا المسار صعبًا ومؤلمًا، لكنه ضروري إذا أرادت سوريا الجديدة بناء دولة لا تتسامح مع الإخفاء القسري والتعذيب والمقابر الجماعية.

لأن العدالة ليست فقط عن معاقبة المجرمين، بل عن إعادة الاعتبار للضحايا، وإثبات أن سوريا الجديدة لن تعيش في ظل الخوف مجددًا.

الكاتب: Stefan Schmitt

ترجمة: الديوانجي

الموقع الأصلي: the conversation

أضف تعليق