السجن أبو الهموم، معجم العذاب وبوابة الغياب، أسوأ ابتكارات البشر وأطول دروب السفر، السجن هو الرمال المتحركة التي تأخذك خارج الزمان والمكان، لا يرسمون السجون على الخارطة.. لأنها لا تشبه الكوكب، يخجلون منها لأنها عوراتهم التي يجب أن يستروها دائماً، لا يحتملون صورها؛ لأنها تُذكِّر الظالم أنه ظالم.
هذا هو المقال الأول، أعترف لك عزيزي القارئ أنني أكتبُ باسمٍ مستعار، لماذا؟، لأنِّي أريد أن أحكيَ لك حكايات “المنسيين في الأرض” وأنا مرتاح، ولا أريد لنشر هذه السلسلة من الحكايات أن ينتهي، لذلك ومن باب الأمانة معك أحببت أن أخبرك هذه المعلومةَ الصغيرة قبل أن أبدأ أول قصة من قصص الوجع السوري الطويل في السجون اللبنانية.
أسوأ ما في السجن أنه يجمع أرذل الناس وأنقى الناس في مكانٍ واحد، السجون هي ثقوب الكون السوداء، بؤر الحزن الكبرى، نوافير عظيمة من الدموع، وتماثيلُ عاريةٌ للتخلف، في كل يوم يبنى فيه سجن جديد.. ترجع البشرية ألف عام للوراء.
هنا لبنان، خلف أسوار سجن رومية المتربع على جبال بيروت الشرقية، والمطل على العاصمة اللبنانية كقلعة من قلاع الخوف والبؤس، يعيش كثيرٌ من السجناء “نصف حياة” و”نصف موت”، الغابات الخضراء الجميلة التي تحيط بالسجن السيئ الصيت تضفي عليه مزيدا من القبح، لأنها تشبه فستاناً أنيقاً يرتديه وحش قبيح، والشجر طبيعة، والسجن ضد الطبيعة، وأستأذن الشاعر العربي” دوقلة المنبجي” بتعديل بيته الشهير لأقول، “ضدان من قبحٍ أَنِ اجتمعا – والضدُّ يظهر قبحهُ الضدُ”.
الغابات الخضراء الجميلة التي تحيط بسجن “رومية” السيئ الصيت تضفي عليه مزيدا من القبح، لأنها تشبه فستاناً أنيقاً يرتديه وحش قبيح، والشجر طبيعة، والسجن ضد الطبيعة.
أبو حسين
بطل الحكاية الأولى رجل بسيط من مدينة “القصير” التي أضحت أيقونةً من أيقونات الثورة السورية، اسمه “أسامة محمود الجاعور” وينادونه “أبو حسين” ، وصاحبنا هذا رجل سوري بسيط فر من آلة القتل وجنون القصف لاجئاً مع بعض أقاربه إلى لبنان، وبعد أن تجرع ما تجرع من مرارة التهجير والنزوح كُتب لهُ أن يتجرع مراراتٍ جديدةً خلف قضبان السجن اللبناني الرهيب، اعتقلته الأجهزة اللبنانية عام 2015 ، ثم ادعت عليه النيابة العامة بجرم “الإرهاب” بسبب انتمائه إلى فصيل عسكري سوري، حيث كان عنصراً بكتائب “الفاروق” التي سطع نجمها في بداية سنوات الثورة.

وبدأ فصل جديد من فصول قصة أبي حسين الحزينة، وكغيره من النازحين جال في فروع الأمن وتناوب عليه المحققون حتى استقرت به الحال خلف أسوار “رومية” أشهر السجون اللبنانية، بدأ صراعُه مع يوميات السجن حيث النهار والليل ضيفان ثقيلان مليئان بالوجع والقهر والغربة، وضاع هو وأهله بين وعود المحامين وسماسرة الملفات وأنفقوا مالاً كثيراً وسمعوا كذباً كثيراً وفعلوا كل ما يستطيع النازح السوري البسيط فعله في هذه الأحوال، وبعد معاناةٍ طويلةٍ مع جلسات المحكمة، كثيرة التأجيل، أنزل به القاضي العسكري السابق” حسين.ع” عام 2019 حكماً قاسياً بالأشغال الشاقة المؤبدة.
هذه قصة واحدةٌ من مئات القصص التي تدمي القلب وتهز الوجدان، كان ضحيتها رجل من أبطال الهوامش، لاجئٌ سوريٌ بسيط لا تدركه الكاميرات، ولا يعبأ به الإعلام، هرب من صيدنايا سوريا ليجد نفسه في صيدنايا لبنان.
كان حكمه صادما كطلقة مسدسٍ في منتصف الرأس، لكنها طلقة أصابته بنصف موت، وتركته محروماً من نعمة الحياة الكاملة أو راحة الموت الكامل، عند اعتقاله كان “الجاعور” في منتصف الثلاثينات، قوي الجسد سليم العقل وكان يتمتع بصحة جسدية وذهنية ممتازة جدا، وهو اليوم يبحر في بحر الأربعينيات، بعد صدور الحكم القاسي بدأت صحته النفسية والجسدية تتراجع شيئاً فشيئاً نتيجة الصدمة والضغط النفسي الذي لا يرحم، وفي عام 2023 بدأ يعاني من آلام شديدة في الأعصاب، فأصبح كثير “الرجفان” هزيل البنية لا يستطيع المشي أو الوقوف بشكل طبيعي، ونتيجة الإهمال الطبي ضعُف جهازه العصبي كثيراً، وصارت حالهُ محزنة شيئاً فشيئاً، أصبح بحاجةٍ لمن يرافقهُ كـ “ممرض دائم”، صار يحتاج إلى المساعدة وقت تناول الطعام أو قضاء الحاجة أو الاستحمام، وكم كان يشعر بالحرج الشديد ويبكي عندما يجد نفسه قد تبول لا إرادياً في ثيابه، وكان سجناء سوريون آخرون يقومون بخدمته تطوعاً منهم وشفقةً عليه.
وتفاقمت أوضاعه المحزنة حتى بلغت ذروتها العام الماضي، حين ساءت حالته العقلية، وأصبح يفقد قواه الذهنية تدريجياً، حتى تم نقله بعدها إلى مبنى “السجن الاحترازي” أو ما يعرف عند السجناء بالـ “البيت الأزرق”، وهو مبنى صغير مخصص لذوي الأمراض العقلية داخل سجن رومية، تنعدم فيه أشكال الاحترام الإنساني والمعاملة الآدمية، ويقضي على ما تبقى من عقلٍ في رأس السجين حتى تكتمل في جمجمته حالة الجنون المطلق.
هذه قصة واحدةٌ من مئات القصص التي تدمي القلب وتهز الوجدان، كان ضحيتها رجل من أبطال الهوامش، لاجئٌ سوريٌ بسيط لا تدركه الكاميرات، ولا يعبأ به الإعلام، هرب من صيدنايا سوريا ليجد نفسه في صيدنايا لبنان، وكم في السجون اللبنانية من أمثاله الذين تنهشهم الغربة ويطحنهم السجن وتفتك بهم الأمراض، شاخوا خلف السور وهم ينتظرون الحرية التي لا تجيء.
للحكايا بقية..
مالك الهزاع
