الدرس السني العراقي ضروري لعلويي سوريا، لا بل إن ثمة فارقاً يجعلنا أكثر قلقاً عليهم، ذاك أن سنة العراق هم أقلية كبرى ولهم مدنهم الكبيرة الممتد عمقها خارج العراق، أما علويو سوريا فهم جماعة ريفية مع أقليات في مدن حمص واللاذقية وطرطوس، فيما الرابطة المذهبية ضعيفة مع عمقهم المذهبي الشيعي، وعلويو لواء اسكندرون، لم يذكروا منذ سقوط نظام الأسد.
أخطأ من توهّم أن ما يحصل في جنوب سوريا يتيح له أن يفتح ثغرة في ساحلها. فالتوقيت المريب لهجمات “الفلول” على مواقع وحواجز القوى العسكرية للسلطات السورية الجديدة في ريف مدينة اللاذقية، يؤشر، على الأقل، إلى أنه استجابة لأمر متزامن مع الخيارات التقسيمية التي بدأت تلوح في أكثر من مكان.
الأمر يتعدى خطأ تكتيكياً، فهو لعب بمصائر الأقليات قبل أن يكون تهديداً لوحدة سوريا الهشّة والضعيفة، مشهد “المجاهدين السُنة” المتقاطرين إلى اللاذقية يبعث فعلاً على القلق. صحيح أن تفادي المجزرة هو مهمة السلطة الجديدة، واختبار لها، لكن المتسبب بالمجزرة هو جماعة “الفلول” ممن لم يبتلعوا بعد حقيقة أن نظام الأسد سقط إلى غير رجعة، وألا مكان، حتى الآن، لطموحات المنكفئين إلى دويلة الساحل.
الحديث عن دور إيراني في تحريك “جيش الفلول” يبدو منطقياً على رغم عدم وجود قرائن موثّقة سوى بيان نشرته وكالة “مهر” يعلن تشكيل فصيل “أولى البأس”، لكن في الوقت ذاته ومنذ سقوط النظام، توجّه إلى اللاذقية وريفها، وتحديداً إلى مدينة جبلة، عشرات الآلاف من ضباط جيش النظام السوري وجنوده. هذا الجيش الذي اختفى بلحظة واحدة ما أن غادر بشار الأسد وعائلته إلى موسكو، من غير المنطقي أن يتلاشى وينصهر في بيئة “مهزومة” من دون أن يعود ليستيقظ في بؤر أهلية يستطيع التحرك فيها. لنا على هذا الصعيد بتجربة السقوط في العراق درس كبير.
لعب الجيش في العراق بعد حلّه أدواراً دموية هائلة، ووُظِّف من قوى إقليمية أبرزها النظام السوري البائد. وهنا علينا أن ننتبه الى حقيقة أن أكثر من دفع أثمان استيقاظ جيش النظام في العراق هو البيئة السنية العراقية التي تحرّك فيها هذا الجيش.
كل مدن السنة في العراق تعرضت لحروب ضارية انتهت بهزيمة “الفلول” هناك، وبدمار هائل شملها كلها بدءاً من الموصل ومروراً بتكريت وسامراء ووصولاً إلى الأنبار.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني – درج ميديا
