“قد تستطيع كسر غصنٍ، لكنك لن تقتلع جذور الشجرة”
العلويون ليسوا مجرّد طائفة دينية في سورية، بل هم جزء من نسيجها العريق، جبلتهم الأرض بجغرافيتها القاسية فصاروا أبناء الجبال والساحل، حيث اعتادوا أن يكونوا هدفًا للتقلبات السياسية والتغيّرات العنيفة. ومع كلّ أزمة كانوا يدفعون الثمن الأكبر، ليس لأنّهم طرف في الصراعات دائمًا، بل لأنّهم غالبًا ما يجدون أنفسهم وسط النار المشتعلة.
واليوم، تعود المأساة إليهم من جديد، ولكن هذه المرّة بوحشية غير مسبوقة، ففي واحدة من أشنع المجازر التي شهدتها سورية، اجتاحت فصائل مسلّحة القرى العلويّة في الساحل السوري، مرتكبةً مذابح موثّقة بالصوت والصورة، حيث لم يكتفِ المسلحون بتنفيذ جرائمهم، بل وثقوا بأنفسهم عمليات القتل والذبح، متفاخرين بها على وسائل التواصل الاجتماعي، ومعلنين أنّ استهدافهم كان بدافع طائفي بحت! لم يكن لغالبية الضحايا انخراط في أيّ صراع سياسي، بل كانوا مدنيين ذنبهم الوحيد انتماؤهم إلى طائفة أصبحت هدفًا للمجازر.
ذبح عائلات بأكملها بدم بارد
المجازر لم تفرّق بين رجل وامرأة، بين شيخ وطفل، عائلات بأكملها أُبيدت بطريقة وحشيّة، قُتلوا لأنّهم علويون، وليس لأيّ سبب آخر، لم يكن الضحايا مسؤولين عن الماضي السياسي للبلاد، ولم يحملوا السلاح، لكنهم ذُبحوا في بيوتهم، وعلى الطرق، بينما سجّل القتلة جرائمهم بأنفسهم، وكأنّ الهدف لم يكن مجرّد القتل، بل نشر الرعب وبعث رسالة واضحة: العلويون يجب أن يُبادوا!
المجازر لم تفرّق بين رجل وامرأة، بين شيخ وطفل، عائلات بأكملها أُبيدت بطريقة وحشيّة
الإذلال قبل القتل: جرائم تفوق وحشية الحرب
لم يكتفِ المهاجمون بالقتل، بل مارسوا أشكالًا مروّعة من الإذلال قبل تنفيذ المجازر، أُجبر الرجال على الزحف على الأرض، وصدر الأمر لهم بإصدار أصوات الكلاب، قبل أن يُقتلوا بدم بارد وتُرمى جثثهم في الأحراش من دون دفن، في محاولة لإخفاء الجريمة ومحو آثارها، هذه الأفعال لا تترك مجالًا للشك بأنّها لم تكن مجرّد عمليات انتقام.
التحريض الديني: فتاوى تحرّض على القتل في المساجد
في دمشق، لم تقتصر عمليات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي أو المنابر السياسية، بل امتدّت إلى المساجد، حيث صدرت فتاوى علنية بعد صلاة التراويح في شهر رمضان، تدعو إلى القتل، يا للعار كيف تحوّلت أماكن العبادة إلى منصّات للكراهية والتعبئة، حيث استُخدمت الشعائر الدينية غطاء لإطلاق الدعوات لارتكاب المجازر.
قمع أصوات السلام
جرى إطلاق النار على المتظاهرين في دمشق، فلم يكن الجميع راضين عن حمام الدم الذي أغرقَ الساحل السوري، فقد خرجت تظاهرة سلمية مطالبة بوقف المجازر، لكنّ الرد جاء بالرصاص والشتائم من قبل أشخاص مدنيين مناصرين لفكرة القضاء على العلويين، لم يُسمح حتّى برفع الصوت ضدّ المجازر، بل قوبلت المطالب بوقف شلال الدم بالعنف أيضًا مع تهميش اللافتات الورقية والتعدي على كاميرات التصوير حتى لا يجري توثيق شيء مما حصل، وذلك في رسالة واضحة منهم بأنه لا مكان للسلام، وبأنّ سياسة الأرض المحروقة هي السائدة، إذًا أين هي حرية التعبير؟ أين هي حقوق التظاهر بسلمية؟ ألم تقم ثورة لأربع عشرة سنة حتى نحصل على حرية تعبير؟ نحنُ شعب لا يُسمح له بأن يكون حرًّا.
استُخدمت الشعائر الدينية غطاء لإطلاق دعوات الإبادة الجماعية
طمس الحقائق والتواطؤ الدولي
رغم توثيق المجازر وانتشارها علنًا، تسعى جهات معيّنة إلى طمس الأدلة ومنع أيّ تحقيق دولي جاد، حتى مع دخول لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى الساحل السوري، لا تزال هناك محاولات لإخفاء الحقائق والتلاعب بالروايات، في محاولة لحماية الجناة من المساءلة أو لرمي التهمة على جهة واحدة من بين الجهات المتحاربة، والتي لم يكن ضحيتها سوى أبرياء سوريين ذنبهم الوحيد أنهم فقراء الكلمة والخبز ولكن أغنياء جداً بعزّة النفوس.
ما جرى في الساحل السوري، ومحتمل أنه ما زال يجري، ليس مجرّد صراع، بل مجازر نفّذت بدم بارد، فهل سيمر هذا المشهد الدموي من دون محاسبة، أم أنّ العدالة ستجد طريقها الممتلئ بالحفر يومًا ما؟
سالي علي – العربي الجديد
