تمتد المصلحة الاستراتيجية الفرنسية في سوريا لعقود من الزمن، وتاريخ التدخل الفرنسي هنا يعود إلى فترة الانتداب بين عامي 1920 و1946. هو إرث لا يزال يؤثر في تصورات السياسات الحديثة لفرنسا. 

خلال تلك الفترة لم تقتصر فرنسا على قمع الثورات فحسب، بل فرضت أيضًا سياسات خنقت بشكل متعمد تطوير المؤسسات الديمقراطية الأصلية في سوريا. قامت السلطات الفرنسية بتأسيس نظام سياسي ضعيف يعتمد بشكل كبير على السلطة الاستعمارية، ما ساهم في تهميش القوى الوطنية السورية التي كانت تسعى لبناء حكومة ديمقراطية ومؤسسات ذات سيادة. تم منع إنشاء مؤسسات سياسية قادرة على تمثيل الشعب السوري بشكل مستقل عن الحكم الاستعماري. في سياق هذا الاستعمار كانت فرنسا تركز على استغلال الموارد الطبيعية في البلاد لتلبية احتياجات اقتصادها، مع تجاهل التنمية السياسية والاجتماعية للشعب السوري. 

ومنذ السبعينيات، على مدى أربعة عقود من الزمن، قدمت فرنسا لنظام عائلة الأسد الدكتاتوري الغطاء الشرعي الدولي من أجل تأمين مصالحها في الشرق الأوسط، وكانت العلاقات الفرنسية السورية مرتبطة على مدى عقود من الزمن ارتباطًا وثيقًا بالاحتلال السوري للبنان. وبحلول عام 2009 أصبحت فرنسا من أول خمس دول في العالم من حيث حجم التجارة مع سوريا، وشكلت الصادرات السورية إلى فرنسا الجزء الأكبر من هذا التبادل (80% من إجمالي التبادل التجاري أي نحو 700 مليون دولار). وكانت معظم التجارة متعلقة بالنفط الخام، مما جعل فرنسا آنذاك ثاني أكبر دولة تستقبل الصادرات السورية بعد إيطاليا. هذا السياق، الذي اتسم بمساندة الحكم الدكتاتوري في سوريا، يقف في تناقض حاد مع الرواية القديمة – المعاصرة لفرنسا التي تدعي أنها تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

منذ اندلاع الثورة في سوريا، في 2011، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية في 2014، أولت فرنسا اهتمامًا متجددًا بسوريا، وأصبحت خلال بضع سنين تمتلك أكبر حضور عسكري غربي بعد أميركا وصارت واحدًا من أبرز مقدمي المساعدات الإنسانية في البلاد. 

منحت فرنسا السوريين الواقعين تحت نظام بشار الأسد مساعدات إنسانية، بين 2018 و2020، بقيمة 250 مليون يورو، (مع 850 مليون يورو قروض). وفي كانون الثاني/يناير 2018، أطلقت فرنسا الشراكة الدولية ضد الإفلات من العقاب على استخدام الأسلحة الكيميائية. وهذه الشراكة هي ثمرة مبادرة حكومية دولية تضم 40 دولة مع الاتحاد الأوروبي، وتعمل على مكافحة الإفلات من العقاب على استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا وجميع أنحاء العالم. وفي إطار هذا المنتدى التعاوني، تعهدت الدول المشاركة بالتزامات كبيرة بجمع الأدلة وتبادلها، وذلك لدعم الإجراءات القضائية. ويهدف هذا المنتدى أيضًا إلى تعزيز التعاون بين الدول والآليات الدولية، مثل الآلية الدولية المستقلة للتحقيق والمحاكمة، والكشف عن أسماء الأفراد والكيانات الخاضعة للعقوبات. 

ولكن اهتمام فرنسا بسوريا يبقى بعيدًا عن التركيز على أمان السوريين وسيادتهم. ففي نيسان/أبريل 2018، ورغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أن “أولويات فرنسا في سوريا ثابتة: إنهاء القتال ضد داعش، وتمكين المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين، وتحفيز الزخم الجماعي للتوصل إلى تسوية سلمية للصراع حتى يتمكن السلام من العودة إلى سوريا وضمان استقرار المنطقة”، إلا أن التركيز على تنظيم داعش صرف الانتباه عن أصول الأزمة تمامًا .وغيب السوريين عن سيادة بلادهم أكثر وأكثر. 

ظلت فرنسا تصر على ضرورة تنحي بشار الأسد من أجل إنهاء الحرب، إلا أنها لم تستثمر الكثير من أجل الوصول إلى ذلك. وكان ثمة تباين كبير بين الأهداف المعلنة والإجراءات الفعلية على الأرض، ربما بسبب رفض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التدخل عسكريًا ضد الأسد. 

في المحصلة فرنسا لم تقدم دعمًا حقيقيًا للمعارضة السورية (قارن، على سبيل المثال، مع الدعم الذي حصل عليه الأوكرانيون)، وتراجعت في الوقت ذاته عن اتخاذ أي خطوات حاسمة ضد نظام بشار الأسد، الذي يعتبر حسب المعطيات الفرنسية والأممية، المسؤول الأول عن معاناة السوريين وعن العديد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. 

وبينما تقاعست فرنسا عن المساندة الفعلية للسوريين، فقد كان هناك تركيز واضح للسياسة الفرنسية في المنطقة على محاربة داعش، خاصةً بعد الهجمات التي وقعت في باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015. عندها بررت فرنسا تدخلها المكثف ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق بالدفاع عن النفس واستحضرت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ووضعت ميزانية كبيرة لحماية مصالحها واستقرارها. وعلى العكس مما يراد، أدت هذه الاشتباكات العسكرية إلى المزيد من الألم للسوريين وإلى إدامة الصراع المسلح، وتقويض آليات حل النزاعات الاجتماعية، وهكذا أصبحت فرنسا جزءًا من نفس المشكلة التي تدعي حلها، ناهيك عن شبهات ارتباط بين “مكافحة الإرهاب” ومصالح الشركات  الفرنسية الخاصة في مبيعات الأسلحة وتقنيات المراقبة.

تكشف الأرقام عن الحجم الكبير للتدخل العسكري الفرنسي في سوريا من أجل محاربة داعش. منذ انضمامها إلى التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة في عام 2014، نفذت فرنسا أكثر من 1560 غارة جوية وشاركت في أكثر من 12000 طلعة جوية و64000 ساعة من الطيران استهدفت مواقع داعش في سوريا والعراق. إضافة إلى ذلك، تم نشر نحو 600 جندي فرنسي في سوريا والعراق خلال ذروة العمليات. في عام 2018 لوحده، شهدت عملية “شمال” 922 مهمة مقاتلة، 132 إطلاق نار، 20 مهمة لطائرات أواكس و 41 مهمة لطائرات سي ـ 135. هذه الأرقام توضح حجم الاستثمارات العسكرية التي خصصتها فرنسا في مكافحة داعش وتوسيع نطاق وجودها العسكري نسبيًا، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها قوات سوريا الديمقراطية مما أدى إلى مناوشات سياسية بين أنقرة وباريس ولكن، رغم هذا الحجم الكبير من التدخل، لم تحقق هذه العمليات الأهداف الإنسانية المعلنة، مثل دعم حقوق الإنسان وحل الصراع في سوريا. 

تبرر السلطات الفرنسية هذا الاستثمار الكبير بالقول إن مكافحة داعش أمر بالغ الأهمية ليس فقط لحماية الأمن الوطني الفرنسي ولكن أيضًا لاستقرار المنطقة. وتؤكد الحكومة الفرنسية أن الحد من الشبكات المتطرفة في سوريا يعد مسألة حيوية لمنع انتشار”الإرهاب الاسلامي “إلى الشرق الأوسط وأوروبا. في هذا السياق، ترى السلطات الفرنسية أن أي تدخل آخر في سوريا ــ بما في ذلك دعم المعارضة السورية ــ قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع ويمهد الطريق لانفلات المجموعات المتطرفة. وهكذا استمر عدم تقديم دعم عسكري للمعارضة السورية ضد قوات الأسد.

تخفي هذه التبريرات العديد من التناقضات الأخرى .فقد تركت باريس لروسيا حق القرار في سوريا، حتى بالنسبة للمساعدات الإنسانية. في شهر تموز / يوليو 2018، التقى ماكرون بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمناقشة مبادرة مشتركة للمساعدات الإنسانية ورغم أن الزعيمين اتفقا على إرسال المساعدات تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن المنظمة الدولية نفت تورطها في الأمر. وبدلًا من ذلك سلمت الطائرات الروسية الشحنة إلى النظام السوري.  علاوة على ذلك رغم أن الحكومة الفرنسية واصلت إدانتها العلنية لنظام الأسد وحليفته إيران، فقد حاولت، بالاشتراك مع ألمانيا، إنشاء قنوات خلفية للحفاظ على التجارة مع إيران وتجاوز العقوبات الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، دعوة فرنسا للمحاسبة على جرائم الحرب لم تترافق مع إجراءات فعلية لوقف دعم النظام السوري من قبل قوى مثل روسيا وإيران كما فعلت فرنسا بالنسبة لأوكرانيا. هنا تتداخل مصالح فرنسا الجيوسياسية مع تحالفاتها الإقليمية.

لا يمكن فصل تدخل فرنسا في سوريا عن استراتيجيتها الإقليمية الأوسع، والتي تهدف إلى ضمان نفوذها في الشرق الأوسط، والحفاظ على علاقات قوية مع حلفائها الإقليميين، وضمان استقرار المنطقة بما يتماشى مع أهدافها الأمنية. لطالما كانت فرنسا متخوفة من انتشار مجموعات وأفكار غير صديقة لها و للغرب في المنطقة، وزعزعة استقرار دكتاتورية بشار الأسد قد تخلق تغييرًا غير مناسب لفرنسا في السلطة في سوريا، مما يهدد ليس فقط الأمن الفرنسي، بل مصالحها في المنطقة أيضًا. وتعتبر فرنسا أن استقرار الشرق الأوسط على تشرذمه الحالي وضعفه مهم لضمان أمنها القومي وأمنها من الطاقة أيضًا. 

تتجاوز مصالح فرنسا في المنطقة مجرد الأهداف الأمنية؛ فهي أيضًا مرتبطة بمصالح اقتصادية، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة. فالموقع الاستراتيجي للشرق الأوسط يعد ممرًا حيويًا لإمدادات الطاقة التي تؤثر في اقتصاد فرنسا وأوروبا. من خلال التواجد والتأثير على السياسات السورية، تهدف فرنسا إلى الحفاظ على وصول مستمر إلى هذه الموارد. 

في هذا السياق، استفادت فرنسا من المشاركة في الصراع السوري لتوسيع نطاق نفوذها السياسي والعسكري في منطقة تتقاطع فيها مصالح كل من الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران. لقد أرادت تأمين نوع من موطئ قدم سياسي لها، حتى تتمكن من التأثير على سياسات المنطقة حتى بعد انتهاء الصراع في سوريا، خاصة في ضوء الأهداف الرامية إلى بناء خط أنابيب الغاز الطبيعي، المعروف باسم خط أنابيب قطر ــ تركيا، عبر أراضي المملكة العربية السعودية والأردن وسوريا وتركيا، والذي من شأنه أن يقلل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز القادم من روسيا. عدم مساندة المعارضة السورية أثار تساؤلات حول ما إذا كانت فرنسا قد أخذت بعين الاعتبار التحولات المحتملة في سوريا بعد سقوط الأسد في نهاية المطاف.

بعد الإطاحة ببشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تغيرت ديناميكيات التدخل الفرنسي في سوريا بشكل لا مفر منه. مع سقوط النظام، واجهت فرنسا خيارات معقدة. إما أن تواصل دعم قوات سوريا الديمقراطية التي لعبت دورًا أساسيًا في مكافحة داعش وتمكين تواجد فرنسا في شمال شرقي البلاد حيث معظم موارد النفط، أو أن تبدأ في التعاون مع الحكومة السورية الجديدة. رغم أن قوات سوريا الديمقراطية كانت شريكًا موثوقًا في محاربة “داعش”، إلا أن علاقتها بالجماعات الكردية التي تعتبرها تركيا تهديدًا تعقد الوضع بالنسبة لفرنسا، فهي بحاجة ماسة إلى التسوية مع تركيا، الرابح الأكبر في سوريا، رغم تنافسها الإقليمي الشديد معها. بالمقابل فإن التعاون مع الحكومة المؤقتة يقدم فرصة لفرنسا لبناء دور أكثر استقرارًا في سوريا ما بعد الأسد، ومؤخرا حييت فرنسا الاتفاق الموقع في دمشق بين قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، والحكومة السورية، في 10 آذار/مارس.

في الختام، في حين تقدم فرنسا نفسها كداعم مبدئي لحقوق السوريين، تشير أفعالها المتناقضة إلى نهج مختلف. التوازن بين التدخل العسكري والمناورات السياسية يوضح أن فرنسا تسعى لتحقيق مصالح استراتيجية مخالفة تمامًا لدعمها المعلن للديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية. تفضيل هذه الديناميكية البراغماتية على حساب حقوق السوريين بالسيادة، كما فعلت في أول القرن العشرين، يثير تساؤلات بين المراقبين وصناع القرار حول ما إذا كانت السياسة الفرنسية في سوريا قد تسببت في المزيد من الضرر للمنطقة من خلال مساعدة تقسيم السوريين وتمكين بعض المناطق على حساب أخرى.

لين خطيب – ألترا سوريا

أضف تعليق