لعله من أشد المواقف الغريبة التي يمر بها السوريون في هذه الآونة، أي بعد أكثر من 100 يوم على سقوط نظام الإجرام الأسدي، أنهم لا يجدون أمامهم أي شخصية مؤيدة له، تعتذر عمّا فعلته طوال 14 سنة!
كنا في الماضي القريب نتحدث عن مرض الإنكار على أنه وباء يجتاح جموع الذين يبالغون في إظهار الولاء لآل الأسد! كما أننا مضينا كثيراً في بحثنا عن تكوين شخصية الجلاد الأسدي الذي يقوم بأعمال قتل السوريين إن كان في المعتقلات أو في عمليات القصف العشوائي، فبدت فرضية الفيلسوفة الألمانية-الأمريكية حنّا آرندت حول شخصية الموظف الذي يقوم بأعمال الإبادة، أفضل ما يمكن أن يفسر عقدة أولئك الذين يقتلون ويمارسون حيواتهم الطبيعية من دون تعارض، أو انعكاس لهذا على ذاك!
لكننا اليوم نحتاج إلى مراجعة كل ما خلصنا له سابقاً، لنتأكد إن كنا قد أمسكنا بخيط فرضية تفسر حال هؤلاء، أو أننا بحاجة إلى وضعهم تحت مجهر الدراسة، فهم اليوم لم يعودوا في موقع القوة، بل باتوا من الخاسرين! وفي ضوء حاجتهم للنجاة بحيواتهم يتخيل للمرء أنهم سيبحثون عن طريقة ما لكسب عفو ضحايا أفعالهم. غير أن ما يصدم السوريين فعلاً إنما هو إنكارهم لما فعلوه، وسكوتهم عنه، في حين يقال لهم إن الاعتذار إحدى خطوات المصالحة الوطنية، ومن دونها لن يكون هناك أرضية للصفح والمسامحة!
المجرمون الأسديون لا يختلفون كثيراً عن سلوك الموظف النازي السفاح أيخمان، لكن الفرق بينه كمثال اعتبرته أرندت مثالاً عن تفاهة الشر، وبين الموظف الأسدي، أنه يعترف بما فعله، ويجيب عنه بوصفه جزء من سياق عمل، يُقاد عبر آلية تسلسل الأوامر، من الأعلى إلى الأسفل.
الصيغة ذاتها تتحكم بعمل المجرم الأسدي، فالأوامر تأتي من أعلى هرم السلطة، أي من بشار الأسد نفسه، لكنها لا تصدر بشكل تفصيلي حول أي حادثة أو بخصوص ضحايا محددين، بل هي أمر تنفيذي، يستفيد في الجزء العملياتي من قدرة العنصر الأمني ضابطاً كان أم صف ضابط أو مجرد عنصر، على التصرف، بحسب تقديره لواجبات الولاء!
وفي هذا سيكون من المفجع أن التمكن من أدوات الشر قد جرّ هؤلاء إلى الاجتهاد في أفعال الإبادة المهولة، ثم عادوا ليمارسوا حيواتهم الطبيعية آنذاك! وحين هزمتهم الثورة، تحولوا إلى كائنات رجراجة، لا تبدي ندماً على ما فعلته، وكأنها لم تفعله!
هؤلاء لا يكذبون، إنهم لا يدركون ما فعلوه، وحتى إن أدركوا، لا يمتلكون ميزاناً يقدرون فيه حجم الكارثة التي صنعوها في مصائر الآخرين، فيظهرون وكأنهم شخصيات طبيعية، لكنها انفصامية، لم تمتلك وازعاً يمنعها من فعل التعذيب والقتل، وهي تريد اليوم من الآخرين أن يعفوا عنها، من دون أن تقدم ما يثبت أنها لن تعاود مباشرة الشر ذاته في وقت لاحق!
أي كارثة صنعها حكم الأسد بالبشر، حتى أنتج في مفاعله هذه الشخصيات المشوّهة؟، فلا نعثر على ما يشبهها حتى في عالم المتخيل الأدبي!؟
“قضية الدكتور جيكل والسيد هايد” الغريبة للإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، تبدو وإلى اليوم أفضل مثال عن روايات الرعب القوطي، حتى أن غرائبية فكرتها جعلت من عنوانها مثلاً يُتداول حين تتم الإشارة إلى انفصام الكينونة الإنسانية، لسبب ما، بين شخصية تمارس في النهار الطب، وهو أهم عمل يقوم على الرأفة بالبشر، وبين شخصية ليلية تسفك الدماء بلا رحمة!
هذا المثال الأدبي، الذي صنع في وقت مبكر (1886) كان يتحدث عن أنموذج فردي، قابل للتعميم، كحالة مرضية انفصامية. لكن، ماذا عن تحويل مجموعة من البشر إلى فرقة إعدام؟ هل تستطيع السلطة أن تنهج في التعاطي مع عبيدها أسلوب التلقين وإغلاق الخيارات أمامهم عليها ليصبحوا مجرد عناصر في “الديستوبيا”، لا يجدوا انفكاكاً منها، سوى الاندماج فيها أكثر فأكثر حتى الوصول إلى درجة الاعتناق؟
يحدث هذا في النموذج الذي اقترحه جورج أورويل في روايته الأيقونية 1984. وفي النماذج الإبداعية التي تخرج في زمننا الحالي يبدو أن التطوير الأساسي يتأتى في طريقة تحويل الإنسان إلى آلة، تؤدي المطلوب منها من دون أن يُضطر المتحكم بها إلى معالجة تبعات الأذى النفسي، الذي يلحق بها!
يمكن هنا اعتبار مسلسل Severance بموسميه (الأول في 2022 والثاني في 2025) واحداً من أفضل الأعمال الدرامية التي تتحدث عن آليات التحكم بالبشر، إذ يستند في حبكته وسيرورته إلى فكرة غريبة، حيث تشرع شركة عملاقة مجهولة النشاط في تطبيق تقنية لشطر حياة موظفيها إلى ذات خارجية، وهي شخصيته في الحياة العامة، وذات داخلية وهي شخصيته في مكان العمل! وتتجلى استثنائية التقنية بأن هذا الوجه من الشخصية لن يرتبط بوجهها الخارجي، كما أن هذا الأخير لن يكون قادراً على تذكر ما يفعله في داخل عمله! وعليه فإن الشخصية ستبدو مشطورة إلى شطرين، لا علاقة لأي منهما بالآخر!
في سيرة الحياة العملية لكثير من الأشخاص، يمكن أن يلمح حولهم وفيهم، تغيراً من نوع ما، فيقال شخصية فلان في العمل مختلفة عن شخصيته في الحياة، لكن، وفقًا لقصة المسلسل، يستطيع النصل الحاد لشركة “لومون” أن يجعل هذا الاختلاف قسريًا، إلى درجة تجعل البشر يبدون وكأنهم ذوات متعارضة، في جميع التفاصيل، ولاسيما منها قدرتهم على تبني مواقف غاية في الانزياح عن الفطرة الإنسانية، فالطيب في حياته اليومية قد يصبح شريراً في عمله، والعكس صحيح.
لكن الخيال الإبداعي لا يستطيع أن يغفل ملامح إنسانية تبقى رغم كل التحكم والسيطرة التي تُفرض من الخارج، فحين تدرك ذواتٌ داخلية مقدار سوء الخارجية، في حكاية المشطورين، تحاول أن تؤذيها، كرد فعل انتقامي من ممارساتها.
في حين لا ترى الشخصية الأسدية، وفي واقع يفوق الخيال، ضرورة لأن تراجع نفسها، ما دامت قادرة على جعلك تؤمن بأنها قد عُجنت بشرٍ مستطير!!
علي سفر
