في سوريا، لا يُقاس الحزن بعدد القتلى وحدهم، بل بعدد المفقودين الذين ابتلعتهم أقبية السجون وغياهب الاختفاء القسري. خلف هؤلاء، وقفت نساء يصارعن وحدهن، في صمت، سنوات الغياب الطويل. زوجات، أمهات، أخوات، بنات؛ وجدن أنفسهن في مواجهة الخسارة المزدوجة: غياب الأحبة، وغياب العدالة.
على مدار عقود من الحكم الأمني، ثم خلال سنوات الحرب، أصبح الاعتقال والإخفاء القسري أداة ممنهجة بيد النظام لقمع الخصوم وبث الرعب في نفوس الجميع. والنتيجة أن عشرات الآلاف من العائلات السورية تعيش اليوم معاناة مستمرة، حيث لا قبر للبكاء عليه، ولا خبر يطمئن القلب، ولا عدالة تعيد الحقوق لأصحابها.
لكن الوجه الأكثر قسوة لهذا الواقع تحمّلته النساء. كثير منهن وجدن أنفسهن، فجأة، عمود الأسرة الوحيد بعد اختفاء الزوج أو الابن أو الأخ، يحملن عبء الإعالة، ويكابدن الخوف والتهميش، وسط مجتمع ينظر إليهن أحيانًا بعين الريبة، وأحيانًا أخرى بعين الشفقة الصامتة.
ذوو المعتقلين.. سنوات من الابتزاز والأمل الزائف
لم تقتصر معاناة النساء السوريات خلال سنوات الحرب على البحث المضني عن أحبائهن، بل امتدت إلى الوقوع ضحايا لابتزاز ممنهج. تحول البحث عن معلومة حول مصير معتقل أو مختفٍ قسرًا إلى فرصة للمتاجرة بالألم. أجهزة الأمن، والسماسرة المرتبطون بها، حولوا هذه المعاناة إلى مصدر ربح بلا أي وازع أخلاقي.
اضطرت كثير من النساء إلى دفع مبالغ طائلة مقابل وعود بالكشف عن أماكن المعتقلين، أو تحسين ظروفهم، أو حتى إطلاق سراحهم. وعود غالبًا ما كانت كاذبة، والمال يُدفع لمن يتاجرون بالمأساة.
تقول إيمان، أم معتقل من دمشق لموقع تلفزيون سوريا: “كان يقف على الحاجز مع جارتي يريد الدخول لتفقد بيتنا في اليرموك، التفتت جارتي فجأة ولم تجده، ومن يومها كأنه ملح وذاب.. سألنا كثيرًا ودفعنا الكثير من النقود، ولا أحد يجيبنا بعدما يأخذ النقود”.
وتضيف: “كانوا يتفننون في تعذيبي.. يقولون لي: حضري له الحمام.. جهزي له أواعيه.. بكرة بكون عندك. ثم يأتي بكرة ولا يأتي سوى ألم جديد”.
هذه ليست حالات فردية؛ بل نمط شائع عاشته آلاف العائلات. تعرضت كثير من النساء لابتزاز نفسي ومالي من عناصر أمنية وسماسرة، يوهمون الأسر بامتلاك مفاتيح الزنازين. وفي ظل غياب أي جهة مستقلة للمتابعة، ظلت الأسر محاصَرة بين الأمل الزائف في عودة أحبائهم، والخوف من الانتقام إذا رفضوا دفع المال أو التوقف عن السؤال.
ومع مرور السنوات، ظل هذا الجرح مفتوحا. كثير من العائلات تطالب اليوم بمحاسبة من استغلوا آلامهم، سواء من عناصر النظام أو المتواطئين معهم، باعتبارهم شركاء في جريمة مزدوجة: جريمة الاختفاء، وجريمة النهب والاستغلال.
رحل النظام.. وبقي الوجع
مع تغير ملامح المشهد السياسي في سوريا، تصاعدت الآمال في كشف مصير المعتقلين والمختفين قسرًا، وتحقيق العدالة للضحايا. غير أن هذا الأمل ظل هشًا، عالقًا بين وعود معلقة، وحقائق مؤلمة لم تجد طريقها إلى الضوء.
ورغم حديث السلطات الجديدة عن المصالحة والعدالة الانتقالية، إلا أن الحقيقة ما زالت غائبة. كثير من العائلات لا تبحث عن تعويضات مادية، بقدر ما تطالب بكشف مصير أحبائها، ولو كانت الحقيقة موجعة.
تقول أماني، من مدينة عين العرب/كوباني، التي اختفى أخوها الأكبر عام 2012: “اعتقل جيش الدفاع الوطني أخي إبراهيم محمد عبد السلام في مدينة حمص، كان طالب حقوق سنة ثالثة. بعد فترة من اعتقاله شاهدناه في نشرة أخبار يعترف بأنه إرهابي! ويعدد جرائم قام بها… كدنا لا نعرفه لولا أن كتبوا اسمه، شكله تغير كثيرًا بسبب التعذيب حتى الكلام يخرج منه بصعوبة”.
وتتابع: “حاولنا الوصول له بعد هذه النشرة ولم نفلح. وكلّفنا له محاميًا وأثبت أن كل التهم الموجهة إليه غير حقيقية. لدينا كل ثبوتيات براءة إبراهيم لكنه حتى لم يتقدم إلى محكمة. أخفوه تمامًا ولم نعد نعرف طريقه. بعد فترة علمنا أنه في سجن صيدنايا، لكن نصحونا ألا نسأل عنه، لأن جزاري صيدنايا كانوا يتذكرون الشخص الذي يسأل عنه أهله ويعاودوا تعذيبه من جديد أو تتم تصفيته”.
ثم تختم: “بعد سقوط النظام عاد الأمل، وسرعان ما تلاشى بعده.. لم نصل إلى طرف خيط حتى”.
العدالة المؤجلة: قراءة حقوقية في المشهد السوري
من منظور حقوقي، يُعد الاختفاء القسري واحدًا من أبشع انتهاكات حقوق الإنسان، لكونه جريمة مركّبة تشمل الحرمان من الحرية، التعذيب، الإعدام خارج إطار القانون، وترك الأسر في حالة انتظار ومعاناة مستمرة.
يندرج الاختفاء القسري ضمن الجرائم ضد الإنسانية بموجب اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2006، والتي تُلزم الدول بالكشف عن مصير المفقودين، وضمان حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف.
تقول المحامية والناشطة الحقوقية منار مونس لموقع تلفزيون سوريا:”استخدم النظام السابق الإخفاء القسري بشكل كبير ضمن حملات واسعة وممنهجة على معارضيه، دون استخدام مذكرات توقيف بحقهم، ودون الاعتراف بمكان وجودهم، وبالتالي حرمانهم من المحاكمات العادلة.”
وتضيف: “يجب على السلطة الجديدة أن تتخذ التدابير اللازمة لتجريم الاختفاء القسري في القانون الجزائي السوري، كما يجب محاسبة مرتكبي هذه الجرائم، والانتقال إلى العدالة الانتقالية بأسرع وقت ممكن، وتضمين الاتفاقيات الدولية الخاصة بالاختفاء القسري.”
بحسب القانون الدولي، للضحايا حقوق أساسية في مسار العدالة الانتقالية، تشمل:
- الحق في معرفة الحقيقة: الكشف عن مصير المفقودين والظروف التي اختفوا فيها.
- الحق في العدالة: محاكمة المسؤولين، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
- الحق في جبر الضرر: تقديم تعويض مادي، ودعم نفسي، واستعادة الحقوق المدنية والاجتماعية.
- ضمانات عدم التكرار: إصلاح مؤسسات الأمن والقضاء، وإعادة بناء الثقة المجتمعية.
العدالة التي تنتظرها النساء ما بين الحقيقة والإنصاف
النساء اللواتي فقدن ذويهن لا يبحثن فقط عن معرفة مصير أحبائهن، بل يرفعن مطالب واضحة، تنبع من معاناة لا تنتهي. يدركن أن العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان قوائم الشهداء أو إطلاق من بقي حيًا، بل بمحاسبة كل من تورط في جرائم الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري.
تشير تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى وجود أكثر من 100 ألف شخص ما زالوا في عداد المختفين قسرًا، في ظل تقاعس السلطات عن اتخاذ خطوات جدية.
تقول أماني، شقيقة إبراهيم: “نتمنى أن نعرف مصير أخي، هل مات؟ ومتى؟ إن كان قد مات فعلاً فنريد قبرًا نبكي عليه. نريد خاتمة لهذا العذاب الأبدي.”
الوصمة الاجتماعية.. المرأة كضحية مزدوجة
معاناة النساء لا تقف عند حدود الانتظار. كثيرات يواجهن عزلة اجتماعية، أو يُعاملن كأرامل لم تكتمل طقوس حدادهن بعد. فقدت بعضهن مصادر الدخل، واضطررن إلى العمل في مهن شاقة، أو خضعن لضغوط اجتماعية للزواج مجددًا، ليس حبًا بالحياة، بل هربًا من وصمة زوجة المعتقل.
ورغم ذلك، كثير من هؤلاء النسوة تحوّلن إلى رموز لصمود لا يُكسر؛ أعدن بناء حياتهن، وعشن كمعيلات، وأصوات لم تهدأ في مطالبتها بالحقيقة والعدالة.
سوريا الجديدة… اختبار العدالة الحقيقي
لا مستقبل لسوريا من دون معالجة هذا الجرح المفتوح. العدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا، بل حجر الأساس لأي مصالحة حقيقية.
النساء اللواتي تحملن عبء الصمت والخوف، يطالبن بسوريا تُقال فيها الحقيقة كاملة، يُحاسب فيها الجناة، ويُكرم فيها الضحايا، لا أن يُطلب منهن الصمت من جديد.
تقول أم علاء، من القنيطرة: “نريد أن نعرف مصير أبنائنا، أين سجانو صيدنايا؟ نريد الحصول على معلومات دقيقة منهم عن مصير أبنائنا. لا يمكنني أن أعتبر أن ابني قد مات وأنا أشعر أنه حيّ في مكان ما، والسبيل الوحيد لمعرفة أين هو ابني هو القبض على السجانين واستجوابهم. لا يمكن أن نتخلى عن أولادنا، ولا يمكن التسليم بأنهم قد ماتوا دون وجود دليل على ذلك”.
حين يتحول الصمت إلى شهادة
رغم محاولات النسيان أو التجاهل، تبقى أصوات النساء السوريات اللواتي فقدن أزواجهن وأبناءهن شاهدة على زمن من القهر والعنف. لم يخترن المقاومة أو الانكسار، بل فُرض عليهن الصبر، فصرن حارسات الذاكرة، ومطالبات بعدالة لا تعرف التنازل.
العدالة المؤجلة ليست نهاية الطريق، بل بداية اختبار حقيقي لسوريا الجديدة؛ فإما أن تكون دولة القانون والحق، أو تظل رهينة ماضيها، تعيد إنتاج القهر بأشكال مختلفة.
جولي بيطار – تلفزيون سوريا
