تساؤلاتٌ عديدة تُطرح اليوم حولَ سُبل النهوض بالدراما السوريّة في ظلّ ما واجهته منذُ نشأتها من رقابة سياسيّة واجتماعيّة من جهة، وتحدّيات تمويليّة وإنتاجيّة من جهةٍ أخرى. فهل نحن بالفعل أمامَ أزمة صناعة فقط، أم أنّنا أمام أزمة وعي لفهم ماهية الإبداع ودوره؟ وهل الطريق نحو إعادة اكتشاف الهوية الإبداعية للدراما السورية يمرُّ فقط عبر تحديد ما يمكن فعله، أم في إدراك ما يجدر أن نكونه حينما نُحرِّر تفكيرنا من قيود لا نستشعر وجودها؟

إنّ الحقيقة أكثر مرارة مما نريد تصديقَه، فنحن نعيش في سجون رقابة ذاتيّة نفسيّة وفكرية فرضت على عقولنا حواجز أشدَّ وطأة وأكثرَ قسوة من رقابة أيّ جهة رسمية. إنّها حصيلة تصوّراتنا الموروثة، التي تقيِّد الخيال وتقف حائلًا أمام التعبير الإبداعي الحقيقي.

هذا الفخ الدّاخلي، الذي يتّسمُ بالحذر والتقليدية، ويتجسّدُ في خوفنا من الاختلاف وتجنُّب تجاوز المألوف، يقيِّد عقل المبدع ويحدُّ من حرية خياله، وبالتالي لا يجرؤ على التمرُّد والانفلات من صرح التقاليد خشيةَ السّقوط في محظورٍ لم يعتَدْه الآخرون، فيبقى أسيرَ زوايا ضيِّقة تُعيقه عن الانطلاق نحو فضاء أوسع، بعيدًا عن سياقاتٍ مرجعيّة تحدِّد ما هو مقبول وما هو مستهجن.

إنّ ما نشاهده اليوم من محاكاةٍ لواقعنا في جلّ الأعمال الدراميّة ما زال أسيرًا لواقعٍ مأزومٍ، وتجسيدًا للقيود المفروضة داخليًا. فهل نحن بالفعل قادرون على الخروج من هذا المربع الضيّق الذي رسمناه بعناية عبر تاريخنا الثقافي والاجتماعي؟ أم أنَّ مبدعينا أصبحوا يألفون العملَ في أقفاص مصنوعةٍ من ثقافةٍ جماعيةٍ ضيّقة، أُعيد تشكيلها عبر زمنٍ طويلٍ من القمع والتكرار؟

يولد الفكر المبدع حين يتحرّر الخيال من قيوده، ولكن ماذا لو حُدّد هذا الخيالُ بمساراتٍ وسُيّجَ بأسوارٍ شُيّدت سلفًا؟ وتداخلت الحدود الاجتماعية والسياسية مع تخوم وعينا الداخلي؟ حينها يُكبّل الإبداع ويُصادر، ويتمّ إجهاضه على مستوى أعمق من الرقابة الظاهرة. فما نشهده اليوم ليس سوى اجترارٍ لمرجعياتٍ ثقافيّة كرّست أنماطًا فكريةً جامدة، حتّى بات المبدع السوري عالقًا بين عقلٍ مشدودٍ إلى الماضي وواقعٍ يفرض عليه الانقياد لرؤى تقليدية تحدد ما هو مقبول. وهكذا، تحوّل الإبداع إلى صراعٍ مع الخوف: الخوف من تحدّي المألوف، الخوف من تقويض القواعد، والانعتاق من أسر الفكر السائد. إن حجر الزاوية لبناء نهضةٍ فنيةٍ حقيقيةٍ يبدأ من التمرّد على الذات، ومن القدرة على زعزعة المسلّمات بحثًا عن أفقٍ جديد.

قد يُقال إنَّ المجتمعات العربية تعيش في كنف قيم تقليدية متجذّرة في الدين والعادات الاجتماعية، تُحدّد معايير الفن المقبول وتُحجّم مساحة الإبداع، ما يفرض على المبدع معادلة صعبة بين تفرده الفني والامتثال لقيود قد تُعيق حرّيته في التعبير وتحدّ من قدرته على الابتكار. لا شكّ أنَّ هذا الأمر حاضرٌ بقوّة، إذ يصطدم المبدع العربي بسقوف متعددة تمتد من رقابة المجتمع والسلطة إلى شروط الجهات الإنتاجية ومعايير القنوات العارضة، ما يجعله في مواجهة مستمرة مع حدود مفروضة على خياله. وفي ظل هذه التحديات، تقدّم السينما الإيرانية على سبيل المثال نموذجًا بالغ الدلالة على قدرة الإبداع على إيجاد مساحاته الخاصة، رغم هيمنة النظام السلطوي والدّيني على المشهد الفني. تمكّن مبدعوها من خلق عالم سينمائي خلّاق تعدّى كلّ القيود المفروضة. فلم تكبح إبداعهم الرّقابة المشددة، بل على العكس، ساعدتهم هذه القيود على ابتكار لغةٍ سينمائيّة تُلامس القضايا الإنسانية الكبرى دون التصادم المباشر مع المحرّمات. أفلام مثل “انفصال”(A Separation)  لأصغر فرهادي و”طعم الكرز”(Taste of Cherry)  لعباس كياروستامي، تمثل نموذجًا حيًا لكيفية تمكّن المبدع الإيراني من استخدام الرمزية والتلميح لطرح قضايا حساسة، مثل الانتحار، والعدالة الاجتماعية، والصراع بين التقليد والحداثة. وبذلك، شقّ هؤلاء المبدعون طريقهم إلى الساحة العالمية، محوّلين القيود إلى منبع للإلهام، واستخرجوا من ضيق الحدود أفقًا أوسع للإبداع.

إذا تبنّى المبدع السوري تقنيات فنية مبتكرة وتحرر من القيود الفكريّة الموروثة، لا شكّ أنّه سيترك بصمةً فنيّة عالمية، ويُعيد صياغة الواقع السوري بأبعاد غير مباشرة، مما يفتح للدراما السورية آفاقًا جديدة ويجعلها محط أنظار العالم.

ولتحقيق هذا التطوّر لا بدّ من التحرر أيضًا من قيد الشللية، أكبر معضلة تواجه الفن الدرامي السّوري. فقد تحوّلت الشللية إلى عقبةٍ بنيوية تُعيق الإبداع والتجديد، وأصبحت معايير اختيار الأدوار في أعمال الدراما قائمة على علاقات شخصية وروابط ضيقة بدلًا من التقييم الفنّي الموضوعي. وفي هذا السّياق، بات إجراء الكاستينغ لأيّ عملٍ درامي في سوريا أو العالم العربي شبه مستحيل، أو على الأقل نادرًا ما يكون مفتوحًا أمام المبدعين الجدد. ففي ظلّ هذا الوضع، يُستبعد المبدع صاحب الرّؤية الجديدة لصالح الأسماء اللامعة المعروفة، مما يؤدي إلى تكرار ممل في الوجوه والأفكار، ويُحرم المشهد الفني من التنوّع والتجديد. هذا الواقع يعمّق الركود الفنّي ويشوّه صورة الفن السوري ويمنعه من التطوّر الطبيعي.

إنَّ الحلَّ الجذريّ لنهضةٍ فنيّة حقيقيّة يكمن في إرساء تربيةٍ ثقافيّة سليمة، تُؤسّس لوعي منفتح يحرّر الإبداع من أسر التقليد والموروثات الجامدة، ويُطلق العنان للفكر النقدي منذ الطفولة. فالنهضة الفنيّة تُبنى على أسس من النهضة الثقافية والتربويّة، والإبداع يزدهر في بيئة فكريّة تحتفلُ بالتعدديّة وتضمن حرية التعبير. هذه البيئة تتطلب قانونًا مستقلًا، يستمدُّ سلطته من العقل والمصلحة العامة، بعيدًا عن التأويلات الفقهية المتغيّرة. عندما يتحول الدين إلى ممارسة اجتماعية فردية، وتُرفع عنه صفة المرجعية التشريعية، تتحرر الدولة من قيود الاجتهادات المتباينة، ويُفتح أمام الفنون أفق التجديد الثقافي، بعيدًا عن الوصاية التي تصل بدورها إلى المنظومة التعليميّة، فالمدارس السوريّة لا تزال تنظر إلى الفنون كترفٍ هامشي، تُهمَّش الموسيقى والمسرح والرسم، وتحوّله لفترات راحة للأطفال عوض أن تكون حصص تدريبية تدفعهم للتفاعل مع مختلف أشكال التعبير الفني بغية تحفيز الخيال وإثراء المواهب وتنمية التفكير النقدي. إذًا، كيف يمكن أن ينشأ وعي فنّي حقيقي، أو نهضة دراميّة، أو سينمائيّة، أو تشكيليّة في مجتمع يُقيّد الطفل منذ صغره، ويُخضع مخيلته لمعايير تقليدية تحدّ من قدرته على التعبير والخَلق؟

وهذه المسألة لا تقف عند هذا الحدّ، فالنهضة الفنيّة لا تتحقق إلا عبر رؤية شاملة تمتدّ جذورها إلى كافة مجالات السينما والمسرح والمكتبات الوطنية والمنتديات الثقافيّة، حيث تلتقي العقول في فضاء من الحرية بعيدًا عن قيود الرقابة الأيديولوجية التي تكبح جماح الفكر وتعيق سريان الإبداع. إذا ما ظلّت الفنون محاصَرة بتلك القيود، فإنها ستبقى عاجزة عن إحداث التحول الثقافي الذي ننشده. في المقابل، استطاعت الدول التي جعلت من القانون أداة للتمكين أن تبني منظومات ثقافية راسخة، أفرزت أجيالًا متمردة على الجمود، تؤمن بأنّ الإبداع ضرورة وجوديّة تحرّك عجلة التطوّر الاجتماعي والثقافي نحو أفق متجدد.

فهل نحن قادرون على تحطيم القيود التي تحاصر الإبداع السوري، أم أنّ ما أُثقل به الفكر والفن منذ عقود سيظلُّ هو المُحدّد؟ هذه دعوة للتأمّل في حدودنا الداخلية والخارجية، بحثًا عن مساحة جديدة للحرية الفنية، لعلنا نُعيد اكتشاف هويتنا الإبداعية ونمضي في طريق لا تحدّه قيود ولا تكبّله أعراف.    


نهى سويد

أضف تعليق