منذ اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، وُلد جيل جديد من السوريين وسط الركام، وكبر جيل آخر على أصوات القصف، والتهجير، وفقدان الأحبة، وتفتت الدولة والمجتمع. جيل الحرب، كما يسميه البعض، ليس مجرد عنوان صحفي؛ بل حقيقة معيشة لفئة عمرية بأكملها تعيش في ظل ذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات.
أزمة هوية وجغرافيا مشوهة
تقول منظمة Save the Children في تقرير صدر عام 2022 إن أكثر من 87% من الأطفال السوريين لا يعرفون حياة خارج الحرب، وهو ما ينعكس مباشرة على تكوينهم النفسي والاجتماعي. لا يعرف هؤلاء الأطفال معنى “الوطن المستقر”، ولا “البيت الدائم”، ولا حتى المدرسة المستقرة. كثير منهم تنقل بين عدة دول أو مناطق، وأُجبر على تعلم لغات جديدة، والانخراط في ثقافات غريبة، أو العيش في عزلة شعورية في بلده الأم.
صدمات نفسية… بلا معالجة
أظهرت دراسة صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 50% من الأطفال والمراهقين السوريين يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، بينما لا تتوفر إلا خدمات محدودة جدًا للدعم النفسي، خصوصًا في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أو في مخيمات النزوح.
الشباب الذين عاشوا المراهقة تحت وطأة الرعب، واجهوا موت الأقارب، وفقدان المنازل، والحرمان من التعليم. البعض انخرط في المعارك، والبعض الآخر في العمل المبكر. حتى أولئك الذين لجأوا إلى أوروبا أو تركيا أو الأردن لم يسلموا من الشعور بالاغتراب أو من النظرة التمييزية.
جيل بلا تعليم كافٍ
بحسب اليونيسيف، فإن أكثر من 2.4 مليون طفل سوري خارج المدارس، ومعظمهم أصبحوا الآن في سن الشباب دون تعليم رسمي. وهذا ما يخلق فجوة معرفية تهدد مستقبل سوريا برمته، ويجعل الكثير من الشباب رهينة أعمال هامشية أو عرضة للاستغلال.
مقاومة وتكيف رغم كل شيء
ورغم كل هذا السواد، يُظهر جيل الحرب السوري قوة مذهلة على التكيف. الشباب السوريون هم الأكثر نشاطًا على الإنترنت بين الشعوب العربية، بحسب تقرير We Are Social، حيث يستخدمونه للتعلم الذاتي، وللتعبير عن آرائهم، أو حتى لبدء مشاريعهم الخاصة.
في تركيا مثلًا، أطلق آلاف الشباب السوريين شركات صغيرة، وفي لبنان، رغم الظروف الصعبة، برزوا في المجال الفني والإعلامي. داخل سوريا، تجد شبابًا يصورون أفلامًا قصيرة توثق الواقع، أو يطلقون مبادرات مجتمعية محلية لتعليم الأطفال أو تنظيف الأحياء.
إرث الحرب… هل يمكن تجاوزه؟
يحمل هذا الجيل في ذاكرته مشاهد لا تمحى، وأوجاعًا يصعب تجاوزها. لكن المفارقة أن الكثير منهم طور حسًا عاليًا بالمسؤولية، والنضج المبكر، والوعي السياسي والاجتماعي. هذه المفارقة هي ما يعطي الأمل: أن يكون هذا الجيل، رغم كل ما عاناه، نواة لسوريا جديدة — بشرط أن يحصل على فرصة حقيقية.
جورج الشامي
