منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات ترفيهية، بل تحولت إلى أدوات ثورية، ساحات نقاش، وشبكات دعم نفسي وإنساني. تغير وجه المجتمع السوري بسرعة هائلة، ليس فقط بفعل الحرب، بل أيضًا عبر التحولات الرقمية التي أفرزت جيلًا جديدًا من المتفاعلين والمنقسمين بين العالمين الافتراضي والواقعي.

فيسبوك: من منبر للثورة إلى مرآة للاستقطاب

مع بداية الحراك الشعبي، شكّل فيسبوك نقطة التحول الكبرى في حياة السوريين، حيث أصبح وسيلة لنشر التوثيق، فضح الانتهاكات، التنسيق بين الناشطين، وتعبئة الجماهير.
لكن مع مرور الوقت، تغيرت معادلة فيسبوك:

  • أصبح منصة للاستقطاب السياسي بين مؤيدين ومعارضين، حيث تحوّلت النقاشات إلى معارك إلكترونية تنتهي بالحظر أو الشتائم.
  • ظهر جيل جديد من الصفحات التي تكرّس خطاب الكراهية، التخوين، وحتى التجسس الأمني.
  • كما ساهم في كسر المحظورات الاجتماعية: صارت قضايا مثل حقوق المرأة، المثلية، الطائفية تُناقش علنًا، وهو ما أثار موجات جدل ورفض واسع لدى شرائح محافظة.

إنستغرام: صورة المجتمع المثالي في بلد محطم

منصة إنستغرام دخلت المجتمع السوري لاحقًا، لكنها أحدثت انقلابًا من نوع آخر:

  • شجعت على ثقافة الاستعراض، خصوصًا في الأوساط الميسورة داخل مناطق النظام، حيث تُنشر صور المقاهي، اللباس الفاخر، وأسلوب حياة قد يبدو مستفزًا مقارنةً بما يعيشه ملايين السوريين من فقر ونزوح.
  • ظهرت “الإنفلونسرات” السوريات كمؤثرات في الموضة والجمال، أحيانًا بأجندات تجميلية خالية من أي محتوى ثقافي أو نقدي.
  • ومع ذلك، ساهمت المنصة في خلق فرص عمل جديدة لبعض الشبان والشابات، من خلال الإعلانات والتسويق الرقمي.

تيك توك: انفجار التعبير العشوائي والسخرية المرّة

أما تيك توك، فقد كان مفاجأة التحول الثقافي في المجتمع السوري:

  • فتح الباب أمام جيل جديد من المراهقين والشباب الذين وجدوا فيه وسيلة للتنفيس عن القهر من خلال الرقص، الكوميديا، أو حتى مشاهد تمثيلية عن الفقر والوجع.
  • لكن المنصة ساهمت أيضًا في تسطيح المحتوى الثقافي، وانتشار “الترندات” الفارغة، حيث بات الهدف من النشر هو الشهرة فقط.
  • في بعض الأحيان، استخدمها الناشطون بذكاء، للسخرية من النظام، أو تسليط الضوء على واقع الحياة في الداخل، ولكن الرقابة كانت بالمرصاد.

القيم الاجتماعية بين التغيير والتصادم

وسائل التواصل لم تمرّ مرور الكرام على القيم السورية:

  • العائلة والخصوصية: تم اختراق مفهوم “الحرام” و”العيب” بشكل تدريجي، إذ أصبح من الشائع مشاركة تفاصيل الحياة الخاصة والصور الجريئة.
  • المرأة: انقسم الرأي العام بين من يرى أن المنصات منحت المرأة صوتًا وفرصة للظهور، وبين من يراها سببًا في “تفكك الأخلاق”.
  • الدين والطائفية: تصاعد الخطاب الطائفي بشكل غير مسبوق عبر المنصات، وأصبح المجال مفتوحًا للكراهية أكثر من أي وقت مضى.

هل كان التأثير كله سلبيًا؟

بالطبع لا. فوسائل التواصل ساهمت في:

  • إعادة وصل السوريين ببعضهم في الداخل والشتات.
  • نشوء مبادرات إنسانية وتعليمية كدروس مجانية، دعم نفسي، حملات تبرع.
  • تمكين شباب من بناء علامات تجارية شخصية أو مشاريع إلكترونية.

الخلاصة: بين الفوضى والفرصة

وسائل التواصل في سوريا كانت أشبه بساحة معركة: فيها ما يحرر وما يفرّغ، ما يرفع وما يهين، ما يربط وما يمزق. لقد صنعت هذه المنصات جيلًا أكثر جرأة، لكنه أيضًا أكثر انكشافًا وتشتتًا.

إن فهم تأثير هذه الأدوات يتطلب إدراك أن ما تغير ليس فقط طريقة التواصل، بل نظرة السوريين لذواتهم، لبعضهم، ولمستقبلهم.

جورج الشامي

أضف تعليق