مرّت خمسة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، هذا الحدث الذي شكّل منعطفًا حاسمًا في التاريخ السوري المعاصر، فاتحًا الباب أمام مرحلة سياسية غير مسبوقة في بلد لم يعرف منذ عقود تداول السلطة أو ديناميكية التغيير.

ومع انتقال الحكم إلى قيادة جديدة تطرح وعودًا بالإصلاح وإعادة بناء الدولة، لا تزال سوريا تعيش واقعًا متقلبًا، تُحاصر فيه المدن بظروف معيشية هشّة، في ظل محاولات لتثبيت الاستقرار ومخاوف من انتكاسات محتملة أو عودة الاضطرابات.

أما في الخارج، حيث يعيش ملايين اللاجئين السوريين ممن هربوا من قبضة النظام خلال سنوات الحرب، فلا ملامح لفرحٍ مكتمل، إذ تتباين المواقف بين من يرى في التغيير فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة، ومن يلتزم الصمت مترقّبًا نتائج التحول، وآخرين يشكّكون في جدواه، في حين فقد غيرهم إيمانهم بأي تحوّل، معتبرين أن البلاد انتقلت من قبضة إلى أخرى من دون المساس بجوهر السلطة.

وبين الداخل والخارج، لم يعد المشهد السوري موحدا في قراءته للحدث، لكنه يتقاطع في شعور عام بأن مرحلة جديدة قد بدأت فعلًا، وإن كانت ملامحها غير مكتملة، لكنها تتطلب صبرا وتفهّما، كما تحتاج إلى مراجعة حقيقية للمواقف، وجرأة في مواجهة التحديات القادمة.

فسقوط الأسد “عدو السوريين”، بالنسبة لكثيرين، ليس نهاية الطريق، بل اختبار فعلي لقدرة السوريين على صناعة مستقبلهم، بعيدا عن شعارات الماضي، وتحت سقف دولة عادلة لا تعيد إنتاج الظلم بل تقطعه من جذوره.

من صدمة السقوط إلى الإيمان بالتغيير

في لحظة تحوّل سياسي غير مسبوقة، يجد بعض السوريين في الخارج أنفسهم مدفوعين لاستعادة أدوارهم في الداخل، ليس من باب الطموح السياسي، بل من منطلق الارتباط الأخلاقي بما حلموا بتحقيقه منذ بداية الثورة.

في باريس، وبين محاضرات القانون وتحديثات الأخبار، أوضح زهير مارديني محامٍ سوري لموقع تلفزيون سوريا أنه تابع لحظة بلحظة الساعات الأخيرة لسقوط النظام، وعايشه كفصل شخصي من ثورته الطويلة، قائلًا “بكيت لحظة خروج المعتقلين والمعتقلات، وأيقنت أن المعجزات لا تنتهي”.

كما يرى زهير أن مشهد خروج الموالين للنظام من المدن من دون تعرضهم لأعمال انتقام، شكّل لحظة نادرة من المسؤولية الأخلاقية العالية لدى الثوار بالنسبة له، فهو يؤمن بأن سقوط النظام هو بداية فصل جديد في الثورة السورية يبدأ من نقد الذات، وفهم الآخر، وتأسيس فكر يقي البلاد من الوقوع في استبداد جديد.

ومن وجهة نظره، فإن الحياة السياسية في سوريا لا تزل في طور التشكّل بعد عقود من السكون، وما نشهده اليوم من صدامات سياسية ليست أكثر من نتائج طبيعية لمجتمع لم يعرف التعددية والتمثيل السياسي الحقيقي منذ أكثر من نصف قرن.

يصف مارديني خطاب الرئيس الجديد أحمد الشرع، الذي “تضمن مراجعات فكرية داخل السلطة بأنه تطوّر نادر”، حتى في أوساط الجماعات الأكثر انغلاقًا، كما لا ينكر وجود أخطاء وتعيينات مبنية على الولاء، لكنه يعتبر ذلك جزءًا من طبيعة المراحل الحساسة، مؤكدًا أن النجاح يتطلب نقدًا بنّاءً لا تهويلاً أو ترويجًا.

في منفاه الأوروبي، يواصل مارديني تطوير نفسه أكاديميًا ومهنيًا فهو حاصل على جائزة مبادرة ماريان من الحكومة الفرنسية، كما يخطط لزيارة طويلة إلى سوريا لاستئناف عمله كمحامٍ، ولكن بروح الثائر كما يقول، موضحًا أن تجربته في أوروبا تركت أثراً عميقاً، وأضافت له فهماً أوسع للآخر وأساليب تطوير الذات، مستلهماً من الفكر الأوروبي ما يمكن أن يفيد مجتمعه.

كما يأمل في المساهمة لاحقًا بإعادة إعمار سوريا، خاصة في مجالي القانون والعلاقات الدولية، فهو يؤمن بأن العمل العام مسؤولية لا غنيمة، ويرفض الاقتراب من السلطة عبر التملّق أو التمجيد، مفضلًا المساهمة في بناء الدولة على أسس مهنية وشفافة.

سوريون بين سقوط النظام واختبار الثورة

لم تكن التوقعات منخفضة لدى كثير من السوريين في الخارج، بل كانت الآمال كبيرة بأن يشكل سقوط النظام بداية حقيقية لمسار ديمقراطي وحر نحو العدالة والاستقلال.

لا ترى “ثورة كردية” وهي ناشطة سورية تقيم في النمسا، أن المعارضة السورية كانت يومًا متجانسة، إذ جمعت طيفًا واسعًا من التيارات السياسية والفكرية توحّدت ضد نظام الأسد، لكنها ما لبثت أن تفرّقت عند أول اختبار سياسي حقيقي بعد سقوطه.

وقالت في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، “مع ظهور ملامح السلطة الجديدة، طفت التناقضات على السطح، وانقسم السوريون بين مؤيد بحذر، وآخر مبدئي، وثالث رافض يرى أن السلطة الحالية لا تعبّر عن تنوع البلاد”.

كما أشارت إلى محاولات الإدارة الجديدة في ترميم المشهد السياسي، وترى أن غياب رؤية واضحة، وافتقار العملية السياسية لمسار يضمن العدالة الانتقالية والتمثيل الشامل، يجعل الأمور معقدة، قائلًة “لا أعارضها كليًا، لكن لا أؤيدها أيضًا لأن ما يجري يفتقر إلى ضمانات حقيقية للمشاركة والديمقراطية”.

تضع “ثورة” جانبًا من المسؤولية على إرث البعث القمعي، وتعتبر أن التأخر في إطلاق مسار العدالة الانتقالية يكرّس شعورًا بالخذلان، مؤكدة ألّا مستقبل حقيقي من دون الاعتراف بدماء الضحايا والمعتقلين.

وموضحًة أن وجودها في أوروبا أتاح لها مساحة للتنفس وإعادة النظر، من دون أن يفصلها عن قضايا بلدها “اختلفت أولوياتي، لكن لم أتخلَّ عن قضيتي”، متأكدة أن تجربتها في المهجر علّمتها أهمية البناء المعرفي والذاتي، كجزء من معركة التغيير طويلة النفس.

تعيش ثورة اليوم حالة من الترقب والحذر، وقد خفتت حماستها النضالية، لكنها لم تنطفئ، وأضافت “نعم تعبت لكن المسؤولية لا تزل قائمة، حتى لو بأدوات أهدأ وأعمق”، وتختم بالقول: “نعم، لدي ما أقدمه، ولو كان بسيطًا وإن وُجد مشروع نزيه وواضح، سأعود فورًا بلدي أولى فيني من أي مكان آخر”.

أما سامر، أحد أبرز وجوه الحراك المدني السوري والمقيم في النرويج، اختار مؤخرًا الانسحاب من متابعة العمل السياسي، لكنه لم يتخل عن إيمانه بالتغيير، موضحًا أنه سيواصل من منفاه دعم المبادرات الشبابية والمجتمعية، مقتنعًا بأن المعركة الحقيقية تبدأ من بناء وعي جديد.

متحدثًا عن اللحظة الفارقة التي شعر فيها بأن النصر بات وشيكًا، تحديدًا بعد خروج مدينة حماة عن سيطرة النظام، لكنه لم يتوقّع سقوط الأسد خلال أحد عشر يومًا فقط، قائلًا “كان شعور السقوط أقرب إلى الصدمة منه إلى الفرح. نعم، انهارت رموز القمع وخرج المعتقلون، لكننا خسرنا أيضًا شهداء وثقافة وجيلًا جميعه يفتقر اليوم لأبسط أدوات الوعي”.

“خيبة النصر” وقلق الغد

في الوقت الذي تتسارع فيه التحوّلات داخل سوريا، يراقب العديد من السوريين في دول اللجوء ما يجري بعيون مترقبة وقلوب منقسمة بين الأمل والحذر.

يتابع سامر، بالرغم من المخاوف التي راودت كثيرين من انزلاق البلاد إلى حرب طائفية، إلى أن الواقع جاء أقل خطرًا مما كان متوقعًا على حد تعبيره، ويرى أن ما جرى في الساحل من انتهاكات كان نقطة تحوّل حاسمة، إذ فتح استهداف الأجهزة الأمنية الباب أمام “مجموعات متطرفة”، وأشخاص بعضها تحرّك بدافع الانتقام، وأضاف “ما حدث كان انتهاكًا بحق المدنيين، لكن مجازر أكبر تم تفاديها، ويُرجع ذلك لقدرة أحمد الشرع على احتواء الموقف وضبط الفوضى”.

بالنسبة له، الثورة لم تنتهِ، بل مستمرة بكل من يطالب بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي، ويوضح أن ما قصده الرئيس الشرع بإعلان نهاية الثورة، هو طيّ صفحة الفصائلية والانقسام، لا التخلّي عن المبادئ التي انطلقت من أجلها الثورة.

يعد سامر حالته أنها حالة ترقّب وانتظار، ويعود ذلك بسبب غياب تمثيل حقيقي لمكونات المجتمع السوري في السلطة الجديدة، وخصوصًا فئة الشباب التي يعتبرها مهمّشة حتى الآن، ويُرجع بقائه في النرويج إلى انعدام الضمانات داخل سوريا، وعدم وجود شكل واضح للدولة على حد قوله، رغم بساطة العيش في أوروبا التي سمحت له بالمطالبة بحقه في التعليم والحياة والمشاركة، بدل الاكتفاء بالبقاء على قيد النجاة.

لا يرى سامر نفسه جزءًا من مستقبل سوريا في ظل غياب العدالة ويختم “الأدوار وُزّعت وحددت مسبقًا، ما دام الاعتداء على الناشطين مستمرًا، فلا حديث عن عودة حقيقية”، ومع ذلك، يبقى صوته شاهدًا على ثورة لم تنتهِ في وجدانه، وإن خفتت في المشهد السياسي، على حد تعبيره.

بين التريث والأمل والثقة بالحكومة الجديدة

أما يعرب سوادي، الذي يعيش في ألمانيا فيختلف في وجهة نظره، بناءً على ما أوضحه لموقع تلفزيون سوريا، إذ عاش لحظة السقوط بين الفرح والذهول، قائلًا “لم أصدق أن الكابوس انتهى”.

لا يرى يعرب في سقوط الأسد نهاية الثورة والمعركة، بل انطلاقتها الحقيقية نحو دولة المواطنة والدستور، منتقدًا ما يسمى بـ”الربيع العربي”، واصفًا إياه أنه لم يكن ثورات بالمعنى الثقافي، بل فورانات جماهيرية، لذلك لم تؤدي إلى أنظمة ديمقراطية.

كما يؤيد المسارات الحالية للسلطة الجديدة، ويرى أنها تتحرك في الاتجاه الصحيح رغم محاولات البعض في السعي لعرقلة مسارات الحكومة، مشيرًا إلى أنها لم تحقق كل المطالب بعد، لكنه يمنحها الوقت.

يؤكد يعرب أنه لم يتخل عن دوره، ويخطط للعودة إلى سوريا للاحتفال بـ”نصر الثورة”، مؤمنًا أن الحياة في دول الحرية غيّرت كثيراً من أفكاره، لكنها لم تقتل جذوره، ويضيف قائلًا: “لم أفكر في العمل السياسي، لكنني لن أتوقف عن التعبير عن رأيي، وإن عُرض عليّ دور مستقبلي، سأفكر إذا كان ينسجم مع قناعاتي قبل أن أقبله”.

بين من انسحب بصمت، ومن يراقب بقلق، ومن يستعد للعودة بشروطٍ أكثر وضوحًا، تتنوّع مواقف السوريين في المنافي تجاه ما بعد سقوط النظام الذي اتفقوا على إسقاطه، إلا أنه اليوم لا يجمعهم اتجاه سياسي واحد، لكن يربطهم قاسم مشترك، وهو شعور عميق بالمسؤولية تجاه وطن لم يكتمل بناؤه بعد.

وفي خضم كل تلك التحوّلات، تتقاطع خيبات الماضي مع آمال الحاضر، ويبدو أن ما يريده هؤلاء ليس إسقاط  رأس النظام فقط، وإنما الاتجاه نحو تأسيس دولة القانون، والعدالة، والمواطنة دولة تُنهي زمن الولاء، وتمنح الجميع حقّ الحلم والمشاركة من دون خوف أو إقصاء، فالثورة التي بدأت بالكرامة، لا تنتهي إلا بتحقيقها.

تلفزيون سوريا ـ وفاء عبيد

أضف تعليق