“نقطة تحوّل نحو مستقبل رياضي مشرق”، هكذا علّقت وزارة الرياضة والشباب السورية على قرار رفع العقوبات عن سوريا، التي شكّلت على مدى سنوات طويلة عائقاً حقيقياً أمام تطور القطاع الرياضي، سواء من حيث البنية التحتية أو الدعم الفني والتقني للأندية والمنتخبات، أو التبادل الثقافي والرياضي مع الدول الأخرى.

العقوبات انعكست بشكل مباشر على قدرة المؤسسات الرياضية على استيراد التجهيزات، وصيانة المنشآت، وتنظيم البطولات، وتأمين فرص الاحتكاك الخارجي للرياضيين السوريين، إضافة إلى الحد من فرص التعاون الدولي وتبادل الخبرات، ولا سيما في مجال التدريب والتأهيل وريادة الأعمال الشبابية، وفق بيان وزارة الرياضة والشباب.

ملاعب تنتظر الإنعاش

تعاني الملاعب في سوريا من تحديات كثيرة تنعكس بشكل سلبي على أداء اللاعبين، وعلى رأسها سوء الأرضيات التي تتحوّل في الشتاء إلى مستنقعات من الوحل.

الشكاوى من حال الملاعب السورية تتكرر كل موسم، إذ لا تحتوي في الغالب على مرافق صحية مجهزة، ولا مقاعد للجلوس، أو غرف خاصة للمعلقين والصحفيين والرياضيين، حيث كان النظام المخلوع يتعمد إهمال صيانة الملاعب، وحوّلها إلى ثكنات عسكرية أو معتقلات.

عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، أبدت قطر استعدادها لترميم ملاعب في سوريا، لكن وجود العقوبات كان يحول دون قدرتها على البدء بعمليات الترميم.

وقال الصحفي الرياضي أنس عمو لموقع “تلفزيون سوريا”، إن العقوبات الغربية التي كانت مفروضة على سوريا منعت قطر أو أي دول أخرى من تحويل أموال إلى سوريا لبدء إنعاش القطاع الرياضي، لذلك أرسلت الحكومة القطرية إشعاراً إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” لإعلامه بالخطة التي وضعتها لترميم ملاعب في سوريا، مع تفاصيل المشروع والميزانية المطلوبة.

عقب رفع العقوبات، كشف معاون وزير الرياضة والشباب، جمال الشريف، يوم الاثنين 26 من أيار، عن تشكيل لجنة مشتركة بين سوريا وقطر لدراسة آليات صيانة خمسة ملاعب وصالتين رياضيتين، بدعم من دولة قطر.

وأضاف الشريف أن البنية التحتية الرياضية في سوريا تعاني من تدهور شديد، مشدداً على ضرورة جذب الاستثمارات الخاصة لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة وتطوير البيئة الرياضية المحلية، باعتبار أن الدولة وحدها غير قادرة على تغطية حجم الاحتياجات.

تنسيق مع قطر

وقال المتحدث باسم وزارة الرياضة والشباب، مجد حاج أحمد، لموقع “تلفزيون سوريا”، إن هناك تنسيقاً مع قطر فيما يخص ملف ترميم وتأهيل المنشآت الرياضية في سوريا، وقد تم تقديم الدراسات الفنية اللازمة لمجموعة من المنشآت، وتُجرى حالياً مناقشات مستمرة للوصول إلى تفاهمات ثنائية سيتم الإعلان عنها في حينها، ضمن إطار التعاون المشترك بين البلدين.

وأضاف حاج أحمد أن الوزارة تتابع باهتمام كبير المبادرات المطروحة من عدد من الدول الشقيقة، وفي مقدمتها قطر والسعودية وتركيا، والتي أبدت استعدادها للمساهمة في دعم القطاع الرياضي في سوريا، سواء من خلال مشاريع ترميم المنشآت أو تأهيل الكوادر أو تقديم الدعم اللوجستي.

لم تُحدد وزارة الرياضة والشباب الملاعب الخمسة التي ستقوم قطر بصيانتها، لكن الصحفي أنس عمو رجّح أن يتم ترميم ملعب العباسيين في دمشق، واستاد حلب الدولي، وملعب حماة، وملعب حمص، إضافة إلى ملعب دير الزور أو إدلب.

وأضاف عمو أن الترميم سيكون لأرضيات الملاعب، ضمن خطة للمدى القصير لتجهيز الملاعب للموسم القادم، ثم لاحقاً سيكون هناك تأهيل لباقي المرافق، لافتاً إلى أن بداية الدوري في الموسم القادم ستكون مرتبطة بانتهاء ترميم الملاعب، لذلك يجب الإسراع في عمليات الترميم.

الأنظار نحو استاد حلب

عقب رفع العقوبات على سوريا، تعالت الأصوات بالإسراع في إعادة تأهيل استاد حلب الدولي، الذي يُعتبر من أهم الملاعب في سوريا والشرق الأوسط.

استاد حلب الدولي افتُتح في نيسان 2007، ويتسع لـ75 ألف متفرج، وحضر حفل افتتاحه رئيس النظام المخلوع، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

استاد حلب الدولي كان من الملاعب التي تعرضت للضرر، بسبب إهمال صيانته من قبل حكومة النظام المخلوع.

عقب سقوط نظام الأسد، اندلع حريق في استاد حلب الدولي ما ألحق أضراراً في الملعب، وقال “الدفاع المدني السوري” حينها إن حريقاً ضخماً مجهول السبب اندلع في قاعة استقبال الملعب.

وقال مسؤول الاستثمار والمنشآت في مديرية الرياضة والشباب بحلب، بلال دخان، لموقع “تلفزيون سوريا”، إن الكتل الإسمنتية فقط في استاد حلب بحالة جيدة، وما تبقى بحاجة لترميم من الصفر، ولا سيما أرضية الملعب والشاشة العملاقة التي يجب استبدالها بنموذج حديث.

وأضاف دخان أن هناك تفاهماً مع الحكومة القطرية لترميم استاد حلب، “ولكن لم نصل إلى اتفاق رسمي، حيث سافر وزير الرياضة والشباب إلى الدوحة لبحث الموضوع”.

وأشار إلى أنه خلال الفترة القريبة سيبدأ العمل على تأهيل صالة كرة السلة العملاقة في منطقة الحمدانية، ريثما تبدأ قطر ترميم استاد حلب.

بدء إجراءات استعادة الأموال المجمدة

خلال السنوات الماضية، قام الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بتجميد ملايين الدولارات التابعة للاتحاد السوري لكرة القدم، كجزء من سلسلة العقوبات الغربية المفروضة على بعض المؤسسات السورية في عهد النظام المخلوع.

عقب رفع العقوبات عن سوريا، بدأ القائمون على الرياضة السورية بتحريك ملف الأموال المجمدة لدى “فيفا”، بغية استعادتها في سبيل تنشيط القطاع الرياضي.

وقال المتحدث باسم وزارة الرياضة والشباب، مجد حاج أحمد، إن الوزارة باشرت، عبر الاتحاد العربي السوري لكرة القدم، اتخاذ الإجراءات الرسمية اللازمة لاستعادة الأموال المجمدة لدى كل من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

وتُقدّر الأموال المجمدة بنحو 7 ملايين دولار أمريكي لدى “فيفا”، إضافة إلى ما يقارب 250 ألف دولار مجمدة لدى الاتحاد الآسيوي، وفق حاج أحمد.

وأضاف المتحدث باسم وزارة الرياضة والشباب أنه تم بالفعل توجيه المراسلات الرسمية إلى الجهتين المعنيتين، “ونحن حالياً بانتظار الردود لاستكمال الإجراءات القانونية والمصرفية اللازمة”.

وتُعد هذه الخطوة أولوية لوزارة الرياضة والشباب، لدعم مشاريع تطوير البنية التحتية، وتمويل برامج المنتخبات الوطنية، وتعزيز قدرة الاتحاد على تنفيذ خططه الفنية والإدارية.

مكاسب بالجملة

قال المتحدث باسم وزارة الرياضة والشباب، مجد حاج أحمد، إن رفع العقوبات يتيح مجدداً للرياضة السورية فرصة العودة إلى مسارات التعاون الدولي، والمشاركة في برامج التطوير والتأهيل، والاستفادة من الدعم الفني واللوجستي المقدم عبر الاتحادات الدولية والمنظمات الشريكة.

كما يُسهم في إعادة تفعيل مشاركة الكوادر الفنية والإدارية في الدورات الدولية. ومع ذلك، لا تزال استضافة البطولات الرسمية على الأراضي السورية متوقفة حالياً، نتيجة استمرار الحظر المفروض على ممارسة النشاطات الرياضية الدولية في منشآتنا، وفق حاج أحمد، الذي أكد أن الوزارة تعمل حالياً بشكل جاد على معالجة هذا الملف بالتنسيق مع الجهات المعنية لتهيئة الظروف اللازمة لرفعه تدريجياً.

منذ أواخر عام 2011، فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حظراً على الملاعب في سوريا، ما أجبر المنتخبات والأندية في عهد النظام المخلوع على لعب مبارياتها خارج أرضها.

الحظر المفروض على الملاعب السورية أثّر على حظوظ المنتخبات والأندية السورية في البطولات القارية والدولية، باعتبارها حُرمت من اللعب على أرضها وأمام جماهيرها، حيث اضطرت سوريا في عهد النظام المخلوع لاختيار دول، منها ماليزيا والإمارات، كأراضٍ افتراضية لخوض مبارياتها الدولية فيها.

وقال الصحفي أنس عمو، إن رفع العقوبات بمثابة فتح الباب أمام الانفتاح الرياضي الخارجي، ويتيح حرية التداول المالي، ما يشجع الاستثمارات في القطاع الرياضي، وإبرام اتفاقيات رياضية مع اتحادات ودول وجهات خاصة، ويتيح للشخصيات الأجنبية الرياضية القدوم إلى سوريا أو استقدام لاعبين أو مدربين أجانب.

وأضاف عمو أن الأموال المجمدة التي سيتم استعادتها تُعد ضئيلة وغير كافية لوضع خطة على المدى المتوسط والبعيد لتطوير القطاع الرياضي المنهار، من ناحية البنى التحتية، والهيكلية الإدارية والتنظيمية، وحالة الأندية والمنتخبات.

وأشار عمو إلى أن الأموال المجمدة قد تساعد وزارة الرياضة واتحاد الكرة في القيام بحلول إسعافية بسيطة، كإعداد الكوادر الإدارية والفنية، وإقامة دورات تدريبية، وتطوير الأنظمة والقوانين، للوصول لاحقاً إلى تطوير الأندية والمنتخبات.

فرصة ذهبية للأندية والمنتخبات

يساعد رفع العقوبات الأندية في توقيع عقود رعاية مع شركات إقليمية ودولية، ما يوفر لها عوائد مالية ضخمة تسهم في تحسين أوضاعها المالية، ورفع مستوى المنافسة محلياً وقارياً، إضافة إلى إمكانية تحديث المنشآت بمعدات وتقنيات حديثة، وفق أنس عمو.

من جهته، قال الصحفي الرياضي مؤيد كيالي، إن رفع العقوبات سيكون فرصة ذهبية لتطوير المنتخبات السورية، عبر استقدام مدربين من الخارج، بحيث يكون لديهم القدرة على السفر والتواجد في سوريا للإشراف بشكل مباشر على المنتخب، ومراقبة اللاعبين في الدوريات المحلية، وانتقاء اللاعبين الأفضل لضمهم إلى المنتخب.

وأضاف كيالي لموقع “تلفزيون سوريا” أن المنتخب السوري بمختلف فئاته سينتعش بعد رفع العقوبات، عبر الاستفادة من الأموال التي سيحصل عليها من المشاركات الخارجية، والتي كان يتم تجميدها في السابق. إضافة إلى أنه في حال رفع الحظر لاحقاً عن الملاعب السورية، سيصبح المنتخب قادراً على لعب مبارياته على أرضه وأمام جماهيره، ما يعزز من فرصه في التأهل لكأس آسيا أو كأس العالم.

دمشق – مصطفى عبد الحق

أضف تعليق