بعد أربعة عشر عامًا من التوقف، عاد النبض إلى أحد أصغر المسارح في العالم مجددًا من قلب حي العدوي الدمشقي، وأعيد افتتاح “مسرح الغرفة”، الذي أسسه الأخوان “محمد وأحمد ملص” عام 2011 داخل منزل العائلة، وبدأ عروضه من جديد بمسرحية ساخرة حملت عنوان “كل عارٍ وأنتم بخير”، حيث كان أول عرض لها مساء يوم 20 أيار/ مايو 2025  وسط حضور لافت واهتمام كبير من الأوساط الثقافية والفنية في دمشق ويستمر حتى الخامس من حزيران/ يونيو.

“زمن مفتوح ومصائر منكسرة”

أحداث المسرحية تدور في زمن غير محدد، ما يمنحها طابعًا تأويليًا واسعًا؛ إذ يمكن إسقاطها على فترات متباينة من التاريخ السوري، سواء في حقبة ما بعد الاستقلال، أو خلال حكم حزب البعث (1963–2024)، أو حتى في حقبة ما بعد سقوط نظام الأسد، وهو ما تعززه الافتتاحية الصوتية التي ترافق بداية العرض.

الشخصيتان المحوريتان، “الشاعر” و”المجند”، تعيشان في غرفة مستأجرة متواضعة، تواجهان معًا وحش الوحدة والفقر والخذلان، فالشاعر الذي يؤدي دوره الفنان أحمد ملص كان في شبابه من الداعين للإصلاح والحالمين بالشهرة، لكنه اصطدم بجدار القمع ففقد حبيبته “ميس” وخرج من السجن شيخًا محطمًا، أما المجند والذي يؤدي دوره الفنان محمد ملص، فقد دخل المؤسسة العسكرية بأمل أن يكون حامي الوطن، لكنه ينتهي مُقعدًا ومهمّشًا، بعد سنوات من الخدمة دون تعويضات أو تقدير.

ورغم الصراع الظاهر بين الشخصيتين، إلا أن تطور الأحداث يكشف أنهما ضحيتان لواقع واحد، ومع تصاعد التوتر يصلان إلى لحظة ذروة يقرران فيها قتل أحدهما الآخر، لكنهما يعجزان عن التنفيذ.

“ما أحلى أن نعيش”

وتتلخص رسالة العمل في المشهد الأخير من المسرحية، وينتهي بسؤال موجع يتردد صداه طويلًا: “كيف بدي أقتلك وتقتلني؟.. شوف دمّك وتشوف دمي، هون بالمكان اللي أكلنا وفرحنا ورقصنا وغنّينا وضحكنا ونمنا وفقنا فيه.. شوف دمّك وتشوف دمي بنفس المكان.. كيف؟”، ثم يجلسان صامتين على الكنبة أو الأريكة، بينما يصدح في الخلفية صوت شارة برنامج الأطفال “سنان” والتي تقول: “ما أحلى أن نعيش في حب وسلام”، ثم تسدل الستارة على هذه “المفارقة الموجعة”.

بهذا المشهد، يطلق العرض صرخة وعي مفعمة بالخوف من تكرار سنوات العنف والقمع، مستعرضًا عبر شخصيتي “المثقف” و”المجند” مآسي جيل كامل عاش التحولات والانكسارات تحت وطأة السياسة والسلطة والخذلان.

“مسرح ينبعث من الرماد”

يمثل العرض عودةً رمزيةً قويةً لـ “مسرح الغرفة”، الذي أُغلق عام 2011 بعد مغادرة الشقيقين سوريا هربًا من الملاحقة الأمنية. واليوم، وبعد سقوط النظام السوري البائد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، يعود المسرح إلى الحياة مع بداية مرحلة جديدة من الانفتاح الثقافي الذي تعيشه سوريا.

“رسائل”

يقول الفنان أحمد ملص عن هذه العودة: “عدنا إلى منزلنا، فوجدناه مثقلًا بالذكريات وكأنه بيت للأشباح. لكن في كل زاوية منه شعرت أن الحياة تحاول أن تعود، هذه التجربة تشبه تلك التي كنت أراها فقط في الأفلام أو أقرأها في الروايات”.

بدوره قال الفنان محمد ملص عن المسرحية: “نحن نحاول أن نقدم المتعة أثناء العرض، لكننا نحرص أن يخرج المتفرج وهو يفكر في الرسائل العميقة التي حملها النص، حينها فقط نكون قد أنجزنا عرضًا ناجحًا”.

وأهدى الأخوان “ملص” المسرحية إلى روح الفنان الراحل نهاد قلعي، معتبرين أن ذلك تكريس لمفهوم مقاومة السلطة عبر الفن، وأوضح أحمد ملص أن الفنان نهاد قلعي تعرّض في السابق لاعتداء من أحد الضباط، وهو ما يجسد مدى سطوة السلطة على الفنان في تلك الحقبة، وأضاف: “مهمة الفن هي المعارضة لا المهادنة، ونحن أمام فرصة تاريخية الآن كي يتحول الفن إلى سلطة رقابية تحاسب ولا تتحالف”.

دعم حكومي مرتقب

في سياق متصل، أكد الأخوان ملص أنهما التقيا وزير الثقافة محمد الصالح، وطرحا عليه مشاريع متعددة لإعادة تنشيط الحراك المسرحي في البلاد، وقد وعد الوزير بتقديم دعم كامل، مشددًا على أهمية أن تبقى الكوادر الفنية في سوريا طالما بقي لديهم ما يعطونه، وطالما كانت البلاد قادرة على احتضانهم.

كما شدد محمد ملص على ضرورة نقل العرض إلى عدد من المحافظات السورية، وقال إن ذلك مرهون بالدعم المؤسساتي الذي نأمل من وزارة الثقافة توفيره في الفترة المقبلة.

مشهد ثقافي يتعافى

ويأتي هذا العمل المسرحي في إطار انتعاش تدريجي تشهده الساحة الثقافية السورية بعد سقوط نظام الأسد، وقد شهدت البلاد سلسلة من العروض اللافتة، أبرزها مسرحية “اللاجئان” للأخوين ملص، التي كانت أول عمل مسرحي يُعرض عقب التغيير السياسي، إضافة إلى عرض “انتصار وطن” الذي احتفى بمرور 14 عامًا على انطلاقة الثورة السورية.

ووسط هذه العودة الثقافية، يبدو أن “مسرح الغرفة” لم يعد مجرد مساحة صغيرة للعروض، بل بات رمزًا لإصرار السوريين على إعادة بناء المشهد الإبداعي من تحت الركام، بمزيج من السخرية والألم والحلم. 

مهند ملص – ألترا سوريا

أضف تعليق