تتنقل ندى (23 عاماً) بين أزقة وشوارع دمشق المزدحمة، تحمل على ظهرها حقيبة صغيرة تضم عينات من العطور وأدوات التجميل، تعرضها على المارة وأصحاب المحلات، من دون إزعاجهم بالإصرار على بيعهم كما يفعل الباعة المتجولون في دمشق.
تقول عندما سألتها إن كانت حديثة عهد في هذا العمل: “أنا أحلم بأن أعمل في أحد مكاتب المحاماة، لكن الظروف فرضت علي واقعاً آخر”.
ندى طالبة في السنة الرابعة بكلية الحقوق في جامعة دمشق، تبدأ رحلة عملها بعد انتهاء دوامها الجامعي كمندوبة مبيعات للعطور، تتنقل بين المحال التجارية والمكاتب والمنازل حتى ساعات المساء المتأخرة، لتساعد والدها الذي كان موظفاً حكومياً، ولا يكفي راتبه الشهري لإطعامهم بعد ارتفاع الأسعار الهائل.
ليست ندى وحدها من يعيش هذه المعاناة، ففي زاوية صاخبة من ساحة الأمويين بدمشق، يقف أيمن (22 عاماً) وسارة (20 عاماً) جنباً إلى جنب، يحملان كاميرا قديمة وشاحن إنارة، يتناوبان على استقبال الزائرين والعائلات الراغبة بالتقاط صور تذكارية أمام السيف الدمشقي، “بدأنا هذا العمل منذ التحرير تقريباً” تقول سارة.
ويقول أيمن وهو يقلب في صور الكاميرا: “كنا نبحث عن طريقة لتمويل دراستنا الجامعية دون أن نثقل كاهل عائلاتنا المنهكة أصلاً”.
أيمن طالب في السنة الثالثة بكلية الآداب، في حين تدرس سارة في السنة الثانية بكلية الإعلام، يعملان يومياً بعد انتهاء محاضراتهما الجامعية، وخلال عطلة نهاية الأسبوع بشكل كامل، ويكسبان معاً ما يقارب 200 ألف ليرة يومياً (حوالي 20 دولاراً أميركياً)، يدفعان منها 100 ألف ليرة أجرة الكاميرا، ويقسمان الباقي بينهما لتغطية مصاريف الدراسة والمساهمة في نفقات أسرتيهما.
ارتفاع معدلات البطالة في سوريا إلى مستويات غير مسبوقة
وأظهرت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن منصة معلومات سوق العمل السورية ارتفاعاً صادماً في معدل بطالة الشباب (من الفئة العمرية 15 إلى 24 عاماً)، إذ قفز من 20.4 في المئة عام 2010 إلى 45.9 في المئة في عام 2021، مع تسجيل زيادات إضافية في السنوات اللاحقة.
وتزداد المشكلة حدة لدى الإناث، إذ بلغ معدل البطالة بينهن 59.7 في المئة، مقارنة بـ 42 في المئة لدى الذكور. كما أظهرت دراسة أجراها مرصد سوق العمل أن 68 في المئة من الشباب الجامعي في دمشق يعملون في أثناء دراستهم، منهم 42 في المئة يعملون بدوام كامل، مما يؤثر سلباً على تحصيلهم العلمي ويطيل فترة الدراسة، والأخطر من ذلك أن 73 في المئة من هؤلاء الشباب يعملون في مهن لا تتناسب مع تخصصاتهم الأكاديمية.
“هنا تصل ليلك بنهارك، وتشحذ أنت وأهلك لتتخرج من الجامعة، ثم يكون أكبر إنجاز تحققه هو اختيار الجدار الأفضل في منزلك لتعلق شهادتك الجامعية عليه”، يقول علي، الذي تخرج من كليّة الاقتصاد قبل أربعة أعوام، ولا يزال من دون عمل حتى اليوم.
شهادات من قلب المعاناة
محمد الخطيب (25 عاماً)، طالب ماجستير في الهندسة المعمارية، يعمل كسائق تاكسي لتمويل دراسته وإعالة والدته المريضة، يقول: “أنهيت دراستي الجامعية بتفوق، وكنت أحلم بالعمل في إعادة إعمار سوريا، لكن بعد التخرج، اكتشفت أن الواقع مختلف تماماً، قدمت طلبات توظيف في عشرات الشركات، لكن الرواتب المعروضة كانت مهينة، لا تتجاوز 15 دولاراً شهرياً”.
أما ريم (21 عاماً)، طالبة صيدلة ومعلمة خصوصية، فتقول: “أعيش مع عائلتي في شقة صغيرة في عشوائيات المزة، والدي متقاعد وراتبه التقاعدي لا يكفي لشراء الخبز، أضطر للتغيب عن بعض المحاضرات الجامعية بسبب ظروف العمل، مما يؤثر على تحصيلي الدراسي”.
عمر الحسين (24 عاماً)، خريج إعلام ومصمم جرافيك، يضيف: “تخرجت من كلية الإعلام قبل عامين، وكنت أحلم بالعمل في مجال تخصصي، لكن فرص العمل كانت شبه معدومة، والرواتب المعروضة لا تكفي لاستئجار غرفة في دمشق، أعمل في مجال التسويق الإلكتروني من مقهى إنترنت قريب من منزلي لأن الكهرباء والإنترنت غير مستقرين في المنزل”.
آثار نفسية واجتماعية خطيرة
الأخصائية النفسية والاجتماعية إنصاف نصر، تقول لموقع “تلفزيون سوريا” إنّ ما نشهده اليوم هو ظاهرة “الشيخوخة المبكرة” للشباب السوري، فتيان وفتيات في مقتبل العمر يتحملون مسؤوليات تفوق أعمارهم وقدراتهم النفسية، هذا يؤدي إلى آثار نفسية واجتماعية خطيرة، منها الاكتئاب، القلق المزمن، والشعور بالاغتراب عن المجتمع، وتضيف “إنّ العمل لساعات طويلة على حساب الدراسة يؤثر سلباً على التحصيل العلمي، مما يخلق دائرة مفرغة من الفقر وقلة الفرص، المجتمع السوري يواجه خطر فقدان جيل كامل من الكفاءات والمواهب التي يمكن أن تساهم في إعادة بناء سوريا”.
وتشير السيدة إنصاف إلى ظاهرة “هجرة الأدمغة الداخلية”، حيث يضطر الشباب المتعلم للعمل في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، وتقول “هذا يمثل هدراً هائلاً للموارد البشرية وخسارة اقتصادية فادحة للبلد، عندما يعمل مهندس كسائق تاكسي، أو صيدلانية كبائعة ملابس، فهذا يعني أن المجتمع يخسر القيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها هؤلاء الشباب في مجالات تخصصهم”.
مادور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل؟
يرى مراقبون أنّه للتصدي لهذه الأزمة، يفترض أن تطلق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عدة مبادرات تهدف إلى دعم الشباب العامل والدارس، كما يجب أن يطلق برنامجاً وطنياً لدعمهم، يهدف إلى توفير منح مالية شهرية للطلاب الجامعيين الذين يعملون لإعالة أسرهم، كما يجب العمل على تطوير برامج التدريب المهني المكثف التي تمكن الشباب من اكتساب مهارات مطلوبة في سوق العمل خلال فترات قصيرة”.
كما أنّه من المفترض أن تركز المنصة الإلكترونية التي أطلقها وزارة الشؤون الاجتماعية على الربط بين الشباب الباحثين عن عمل وأصحاب العمل، مع التركيز على الوظائف ذات الدوام الجزئي والمرن التي تناسب الطلاب، كما يفترض أن تنفّد مشاريع بالتعاون مع منظمات دولية، توفّر قروضاً ميسرة للشباب الراغبين بإنشاء مشاريعهم الخاصة.
لكن السيدة إنصاف نصر ترى أن هذه الجهود لا تزال محدودة مقارنة بحجم المشكلة، وتقول: “هناك ما يشير إلى تسرّب من التعليم الجامعي بسبب الضغوط الاقتصادية، الشباب يضطرون للاختيار بين التعليم والعمل، وغالباً ما يختارون العمل لتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم، وهذا يحرمهم من فرص التأهيل العلمي الذي يمكن أن يحسن وضعهم المستقبلي”.
مستقبل غامض وآمال معلقة
لا شكّ أنّ وزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل تواجه تحديات كبيرة في تنفيذ برامجها، منها محدودية الموارد المالية، ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، والفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، لكن لا بد من العمل على دراسة شاملة لاحتياجات سوق العمل المستقبلية، بهدف توجيه برامج التعليم والتدريب نحو المهارات المطلوبة، وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، ولا بد من بذل جهود مع جميع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني لمواجهة تلك التحديات.
تختم ندى حديثها وهي تعيد ترتيب عينات العطور في حقيبتها: “نحن جيل محطم بين الفقر والطموح، نريد أن نعيش كباقي شباب العالم، لكننا مجبرون على تحمل مسؤوليات أكبر من أعمارنا”
أما أيمن، فيختم حديثه وهو يلتقط صورة لعائلة سورية عائدة من المهجر: “نحن جيل محاصر بين أحلام كبيرة وواقع قاسٍ، لكننا نؤمن أن المثابرة ستؤتي ثمارها يوماً ما، نحن نبني مستقبلنا بأيدينا، حجراً حجراً”.
في ظل هذه الظروف القاسية، يبقى السؤال الكبير، هل ستنجح الجهود الرسمية والمجتمعية في إنقاذ جيل كامل من الشباب السوري من براثن الفقر والضياع؟ أم أن هذا الجيل سيكون ضحية أخرى من ضحايا الأزمة المتفاقمة في سوريا؟
سامر العاني – تلفزيون سوريا
