يتصدر اسم الشيخ حكمت الهجري الأحداث الجارية في السويداء الآن، كما تصدر كل الأخبار القادمة من المحافظة الجنوبية منذ أواخر عهد بشار الأسد، وذلك عندما قرر شيخ عقل الطائفة الدرزية أن ينضم إلى الحراك الشعبي المعارض للرئيس المخلوع.

قبل ذلك كان الهجري شيخًا درزيًا وحسب، أملى عليه منصبه وإرثه علاقة معقدة وصعبة مع نظام لا يعترف بالمرجعيات ولا يعطي هامشًا للزعامات، طارحًا صيغة قسرية واحدة يمكن تسميتها بـ “مشايخ السلطان”. 

ولقد ارتضى الهجري هذه الصيغة منذ توليه مشيخة العقل خلفًا لأخيه الذي توفي بحادث سير. ولكن المقربين منه يؤكدون أنه قبل على مضض، ولعب دوره وفق مقتضيات البروتوكول المعتاد، فيما كان يخفي رغبة بالتمرد، يؤججها طموح كبير للعودة بمنصب شيخ العقل إلى أزمنة مضت، كان فيها المنصب أكبر بكثير من مجرد موظف حكومي ذي صبغة دينية.

ينحدر الرجل من أسرة عريقة في جبل العرب، توارثت مشيخة العقل منذ مئات السنين. جده الأكبر إبراهيم لعب دورًا كبيرًا في أحداث المنطقة ولا سيما إبان حملة إبراهيم باشا، عندما تمرد الدروز على القائد المصري وخاضوا ضده معارك ضارية. ولدوره هذا ولسمات عديدة في شخصيته فقد تحول إبراهيم إلى ما يشبه الولي عند الدروز، يقسمون باسمه، وعبارة “وجيرة الهجري” لا تزال تتردد إلى الآن.

جده أحمد الهجري الذي توفي عام 1953، لعب دورًا مشابهًا، واحتل مكانة مميزة بين الدروز كمرجعية روحية، وكذلك لعب دورًا على المستوى الوطني، وكانت دارته مقصدًا للنخبة السورية الوطنية، في مرحلة الاستعمار الفرنسي وفي عهد الاستقلال.

وآلت المشيخة (وهي شبه وراثية عند الدروز) إلى حكمت في ظروف مختلفة تمامًا. كان الزمن قد تغير، وضاقت مساحة الزعامات التقليدية الدينية والعشائرية، وذلك بفعل التطور الطبيعي من جهة، وبفعل البعث، ولا سيما مع حافظ الأسد، من جهة ثانية. لقد روض الحكم المركزي السلطوي العصبيات المحلية وقلص أدوار زعاماتها، وهكذا صار موقع شيخ العقل أقرب إلى منصب موظف شبه حكومي، حتى أن مشايخ عدة كانوا يستلمون سيارات ويتلقون مكافآت من السلطة، مثلهم مثل رجال الدين من مختلف الطوائف والمذاهب.

ويجمع عارفو الشيخ حكمت على أنه كان يطمح إلى تغيير هذه الصيغة والعودة إلى تلك “الأزمنة الذهبية”، وربما وجد الرجل في انتفاضة السوريين، وخاصة في السويداء، فرصة لذلك. وقد حظي الشيخ أثناء تزعمه لحراك ساحة الكرامة بشعبية جارفة. وصار واحدًا من الرموز الوطنية على المستوى السوري. وبعد سقوط النظام صارت دارته مقصدًا لوفود المهنئين من مختلف المحافظات، وساد اعتقاد بأن الشيخ يكرر سيرة الزعيم الدرزي سلطان الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى.

ولكن الأمور سارت في اتجاه مختلف تمامًا حتى وصلت إلى جعل الرجل رمزًا انفصاليًا، وقائدًا لمشروع مضاد لبناء الدولة السورية.

ما الذي حدث؟ يشرح بعض المقربين منه، أن المسألة تعود في جزء كبير منها إلى شخصية الشيخ حكمت، فهو ذو طموح كبير، غير أنه لا يملك ثقافة ووعيًا سياسيين يواكبان هذا الطموح، إضافة إلى ثقة عالية بالنفس تصل حد الغرور، مع ميل إلى العناد والتشبث بالرأي.

كذلك ثمة عوامل تتصل بالسلطة الجديدة في البلاد، والتي رأى الشيخ ودائرته المقربة فيها تكرارًا للنموذج البعثي، حيث لا مكان للهوامش المحلية ولا أدوار حقيقية خارج المركز. وخاصة أن هذه السلطة تأتي تحت يافطة أيديولوجيا دينية لطالما أرعبت الأقليات.

ولقد اقترفت هذه السلطة من التجاوزات ما صادق على دعوى الهجري ومناصريه، وخاصة بعد أحداث الساحل وأشرفية صحنايا، حيث قامت مجموعات محسوبة على الحكومة بانتهاكات جسيمة بحق المدنيين وعلى أساس طائفي.

ويقول منتقدو الهجري إن الأمر لو توقف هنا لكان مفهومًا ومبررًا، لكن الرجل قرر الهروب إلى الأمام وخاض حملة تصعيد شديدة غير محسوبة، وأكثر من التدخل في الشؤون السياسية، وتحدث باسم الدروز ككتلة واحدة، وبدت مطالبه (دستور جديد، حوار وطني، ديمقراطية، علمانية) وكأنها مطالب طائفة بعينها. ويقول المنتقدون أن الرجل قصد أو لم يقصد فإنه وضع طائفته في مواجهة الأكثرية السنية. مؤكدين بأنه كان يتوجب عليه أن يترك السياسة والمطالب السياسية للتيارات المدنية وللنخب المثقفة في محافظته.

والأخطر، حسب المنتقدين، أنه نظر إلى الدروز وكأنهم قوة إقليمية وإلى نفسه على أنه لاعب إقليمي، فراح يفاوض الدول ويناور باتصالات مع جهات عديدة، فأدخل سياقًا محليًا صغيرًا في سياق دولي معقد، فكانت النتيجة أن عقد المشكلة وأفرغ مطالبه (وبعضها محق) من مشروعيتها.

وبالمقابل أثارت علاقة الهجري بالشيخ موفق طريف، شيخ عقل الطائفة الدرزية في إسرائيل، اهتمام الكثيرين، وخاصة من أبناء الطائفة، ورغم أن الرجلين لا يتحدثان صراحة عن بعضهما ولا عن طبيعة العلاقة بينهما، إلا أن ناشطين من السويداء يصفون هذه العلاقة بـ “السر الذي يعرفه الجميع”، فيما اكتفى جنبلاط، في حواره مع تلفزيون “العربي”، بالقول إن “الهجري متأثر بموفق طريف”، ومع ذلك فسياق كلام الزعيم اللبناني يشير إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد “تأثر”.

ويقول أشخاص التقوا بالهجري إنه يتجنب أي ذكر لطريف، غير أن البعض في دائرته الضيقة يتحدثون صراحة عن استنادهم، في رؤاهم وتحليلاتهم وتحديد مواقفهم، إلى “نصائح” من زعيم دروز إسرائيل. 

ويرى هؤلاء الأشخاص أن الهجري يرتكز، في حديثه الدائم عن المجتمع الدولي والمواقف الدولية، إلى دعامتين، الأولى صلته بدوائر أميركية عبر قريبه الموجود في الولايات المتحدة، خلدون الهجري، والأخرى علاقته بموفق طريف، مرجحين أن يكون الأخير هو صاحب التأثير الأكبر.

ويقول مراقبون إن موفق طريف نصح بعض الدروز السوريين، وعلى رأسهم الهجري، باستغلال الضغط الإسرائيلي، وكذلك الضغط الأميركي والأوروبي، لتحصيل عدد من المكتسبات لمحافظة السويداء المسكونة بريبة وقلق من الحكومة الجديدة في دمشق. ويعتقد هؤلاء المراقبون أن “اللعبة”، في حال صح هذا التحليل، كانت خطرة للغاية، إذ هددت علاقة الدروز السوريين بمحيطهم، وأحدثت تمزقًا إضافيًا في النسيج الاجتماعي السوري الممزق أصلًا، مشيرين إلى مساهمة كبيرة من الحكومة السورية في هذه اللعبة، مرة عندما غضت الطرف عن الإشارات والرسائل الإسرائيلية تجاه الدروز، حتى أنها بدت غير معنية بالأمر، قبل أن تعود لتستخدم هذه الرسائل والإشارات كوسيلة تجييش ضد الهجري وجماعته. ومرة أخرى عندما سمحت لفصائل محسوبة عليها بمهاجمة بلدات درزية في ريف دمشق وارتكارب جرائم وانتهاكات جسيمة فيها. 

غير أن إشارات كثيرة تقول إن طريف قد انسحب من خط الهجري، وكذلك فالإشارات الأميركية تجاه حكومة الشرع كانت ساطعة، ما يطرح تساؤلات حول ما الذي استند إليه الهجري في تصعيده حتى اللحظة الأخيرة؟!

ما مصير الهجري في ظل سيطرة الحكومة على السويداء؟ يتحدث متابعون عن صفقة ما برعاية وليد جنبلاط لم تتضح معالمها بعد، والأيام القليلة القادمة سوف تقدم إجابة عن هذا السؤال.

أضف تعليق