في الثاني عشر من سبتمبر، تحل ذكرى رحيل الموسيقار بليغ حمدي (1931 – 1993)، أحد أعمدة الموسيقى العربية الحديثة، وصاحب البصمة التي تجاوزت حدود الزمان والمكان. ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على وفاته، فإن ألحانه ما زالت حاضرة، تتردد في حفلات الكبار كما في قلوب المستمعين من مختلف الأجيال.
البدايات.. شغف مبكر بالعود
وُلد بليغ حمدي في حي شبرا الشعبي بالقاهرة، ونشأ في بيت يعشق الموسيقى. منذ طفولته، حمل العود ليكون صديقه الأول، ولمع في معهد فؤاد الأول للموسيقى. تميز بموهبة فريدة جعلت الموسيقار محمد عبد الوهاب يفتح له أبواب الفن وهو في ريعان الشباب، قبل أن يشق طريقه المستقل بملامح مختلفة.
بين الكلاسيكية والشعبية
ما يميز بليغ حمدي عن غيره من ملحني جيله، هو قدرته الاستثنائية على الدمج بين الأصالة الكلاسيكية والروح الشعبية. فقدّم ألحانًا مفعمة بالبساطة والعذوبة، لكنها محمّلة بالعمق الفني. كان يرى أن الموسيقى يجب أن تصل إلى الناس كافة، لا أن تبقى حبيسة النخبة، لذلك حملت ألحانه نكهة الشارع المصري، دون أن تفقد قيمتها الفنية العالية.
مع أم كلثوم.. لقاء العظمة
دخل بليغ حمدي التاريخ حين التقى كوكب الشرق أم كلثوم، ليصوغ لها مجموعة من أروع أغانيها التي لا تزال تُغنّى حتى اليوم: سيرة الحب، بعيد عنك، فات الميعاد، الحب كله، إنت الحب. هذه الألحان لم تكن مجرد موسيقى، بل كانت بناءً درامياً كاملاً، تتحرك فيه المقامات الشرقية بانسيابية مع كلمات شعراء كبار كمرسي جميل عزيز وعبد الوهاب محمد.
مع عبد الحليم.. صوت الشباب
أما تعاونه مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ فكان أيقونة جيل بأكمله. من “على حسب وداد قلبي” إلى “أهواك” و”خايف مرة أحب” و”جانا الهوى”، كلها ألحان صنعت وجدان شباب الستينيات والسبعينيات. كان حليم بحاجة إلى صوت جديد يُشبه ثورة شبابه، وبليغ كان الملحن المثالي لذلك.
وطنية لا تنطفئ
لم تكن موسيقى بليغ مقتصرة على الحب والعاطفة، بل خاض غمار الأغنية الوطنية بكل ثقل. بعد نكسة 1967، قدّم ألحانًا خالدة أصبحت رمزًا للانتصار والإصرار مثل عدى النهار، البندقية اتكلمت، على الربابة بغني. وبعد نصر أكتوبر 1973، عزف لحن الفرح في أغنية عاش اللي قال لعبد الحليم، والتي تحولت إلى نشيد انتصار.
مع وردة.. الحب والحنين
تجربته مع وردة الجزائرية كانت ذات طابع مختلف؛ علاقة حب وزواج وفن امتدت سنوات طويلة. لحن لها أغانٍ خالدة مثل بتونس بيك والعيون السود ولو سألوك. في هذه الألحان، بدا بليغ عاشقًا حقيقيًا يترجم مشاعره الخاصة إلى نغم خالد.
لغة خاصة في التلحين
لغة بليغ حمدي الموسيقية كانت بسيطة المظهر، معقدة الجوهر. اعتمد على الجمل القصيرة المتكررة، التي تنغرس في الذاكرة، لكنه كان ينسجها بتنويعات لحنية ذكية. كان يجيد اللعب بالإيقاعات الشعبية (المقسوم، الفلكلوري، الصعيدي) ودمجها مع المقامات الكلاسيكية، ليصنع جسرًا بين الحداثة والتراث.
أزمات وظلال
لم تخلُ حياة بليغ من العواصف. عاش محنة اتهامات في قضايا قانونية دفعته للابتعاد عن مصر فترة طويلة، كما أنه واجه صعوبات شخصية أثرت في مسيرته. لكنه عاد في الثمانينيات بقوة، رغم أن المرض بدأ ينال من جسده. وفي 1993، رحل بعد صراع مع مرض الكبد، تاركًا إرثًا فنياً ضخماً يزيد عن 1500 لحن.
إرث خالد
إرث بليغ حمدي أكبر من مجرد أغنيات؛ إنه مدرسة قائمة بذاتها. عشرات الفنانين العرب تعلموا من أسلوبه واستلهموا من قدرته على مزج البساطة بالعمق. ولا عجب أن كثيرين يصفونه بـ “أعظم ملحن في القرن العشرين”.
في الذاكرة
رحل بليغ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لكن موسيقاه ما زالت حية تُغنى في الحفلات، وتُعاد في البرامج، ويكتشفها جيل جديد كل يوم عبر المنصات الرقمية. هو موسيقار لم يكتب النوتة فحسب، بل كتب جزءًا من الوجدان العربي الحديث.
✍️ خاتمة
بليغ حمدي لم يكن مجرد ملحن، بل كان شاعرًا بالنغم، ووطنيًا بالعاطفة، وعاشقًا باللحن. رحل الجسد في 12 سبتمبر 1993، لكن موسيقاه لا تزال تنبض، تشهد أن المبدعين لا يموتون، بل يعيشون بأعمالهم جيلاً بعد جيل.
