دمشق، أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، مدينة تنام على سبعة آلاف عام من الحضارة، وتستيقظ كل يوم لتجد نفسها أكثر شبابًا من الأمس. ليست مجرد مدينة، بل كتاب مفتوح تتجاور فيه الأساطير مع الحقائق، والدمع مع الفرح، والخراب مع النهوض.
في شوارعها، تتقاطع الحكايات: من سوق الحميدية المظلّل بالعراقة، إلى الجامع الأموي الذي يختزن في جدرانه ذاكرة الأديان. هنا مشى الرومان والبيزنطيون والأمويون والعثمانيون، وكلٌّ ترك بصمته، لكن روح دمشق بقيت كما هي، عصية على الذوبان.
دمشق ليست حجارة وأسواقًا فقط، بل ذاكرة وجدانية. في بيوتها القديمة ذات النوافذ الخشبية والمشربيات، رائحة الياسمين لا تفارق الجدران، كأنها تقول للعابر: “مرّ من هنا جيلٌ وغاب، لكنني ما زلت شاهدة”.
في الحرب، نزفت دمشق كثيرًا. تغيّرت ملامحها، لكن نبضها لم يتوقف. كمدينة تعرف معنى الصبر، كانت تُرمّم نفسها بالأمل، وتقاوم بالحب. فالفن لم يغادر مسارحها، والموسيقى بقيت تنساب من المقاهي القديمة، لتعلن أن الجمال أقوى من الخراب.
دمشق مدينة التناقضات: قد تُغرقك بالحزن وهي تبتسم، وقد تمنحك الأمل من بين الركام. وهي بهذا لا تختلف عن الإنسان السوري نفسه: متعب، لكنه عنيد؛ مكسور، لكنه لا يستسلم.
إنها مدينة لا تشيخ. مهما غزاها الغبار أو قست عليها الأيام، تبقى عاصمة الروح العربية، والمدينة التي كلما ابتعدت عنها، تسمع في داخلك همسًا يقول: “هنا البداية… وهنا الحنين”.
