خاص – كواليس بلس

هيمنت النجومية كمفهوم على الحياة العامة في سوريا والمنطقة العربية في العقدين الأخيرين حتى بدا النجم محور حياة الناس وربما قدوتهم ومحط اهتمامهم الوحيد ومصدر المعرفة الأول والمرجع الأخلاقي والاجتماعي، بات النجم أهم من الفيلسوف وعالم الذرة ورائد الفضاء وأهم من السياسة والاقتصاد.

من حيث المبدأ، يستحق النجم أن يحتل مكانة خاصة وعالية في المجتمع هذا إن كنا نتحدث عن النجم بمفهومه الحقيقي، أي تلك الشخصيات التي تضيء بقع الظلمة وتكشف عما لا يعرفه الآخرون، وتتمتع بالقدرة على الكشف والإدهاش وهو جوهر الإبداع، الكشف يعني إضاءة موضوع لا يستطيع الآخرون أن يروه، والإدهاش يعني الطريقة التي يعبر بها المبدع عن موضوعه أيا كان ذلك الموضوع، ومعظم الذين يظهرون على الشاشات اليوم لا يتركون ذلك الأثر، بل لا يتركون سوى ظهورهم المتكرر.

في العقدين الأخيرين شهدت المجتمعات العربية، وربما بشكل خاص المجتمع السوري تكريسا مختلفا لمفهوم النجم وتعريفا مقلوبا بمهامه حيث انحصر معنى النجومية في حجم ظهور الأشخاص على الشاشات والتلفزيونات، وتم حصره أيضا بالفنانين ولا سيما الممثلين بشكل خاص أو بشكل أدق بمزاولي مهنة التمثيل أو مهنة الظهور على الشاشات.

وبازدهار الدراما السورية وظهور نجوم كثيرة وهيمنة الدراما على الشخصية السورية كمرجع متفق عليه، تضخمت الذات عند الكثيرين حتى تحولت النجومية إلى مرض عضال، مرض يصاب به النجم وجمهوره على حد سواء، ونشأت علاقة غريبة بين النجوم والجمهور حيث ارتبطا بشيفرة خاصة، فالنجوم باتوا يدركون مدى أثرهم على جمهورهم وتحولت علاقتهم به إلى نظرة دونية من قبل النجم باتجاه معجبيه، وراح المعجبون يغذون هذه النظرة عبر استلابهم أمام نجومهم مما انعكس كحالة تضخم مضاعفة على النجوم.

انتقلت عدوى أمراض النجومية إلى فئة واسعة من الجمهور وأصبح شكل العلاقة المرضية بين النجم والمنجوم عليه نوعا من البديهيات والمسلمات.

تدريجياً بدأت شاشات التلفزة تفرز شخصيات بلا معنى وتقدمهم كنجوم عبر تكرار ظهورهم فقط على التلفزيونات، وكان هؤلاء الفنانون الذين تحولوا إلى نجوم بحكم تكرار الظهور لا بحكم القيمة يصدقون أنهم نجوم.

في إحدى مسرحيات الفنان عادل إمام أشار في لحظة تهكم إلى هذا الموضوع بشكل غير مباشر وربما يلخص كل ما نريد قوله، حيث قال في أحد المشاهد: لو الناس شافت توفيق الحكيم قاعد مع فيفي الرقاصة، فأكيد ح يسألوا: من ده اللي قاعد مع فيفي..

واليوم إن قام ناقد رفيع بانتقاد نجم كثير الظهور في المسلسلات ينتفض معجبو النجم لشتيمة الناقد واتهامه بالتهمة التي تثبت كل ما ذهبنا إليه، سيقولون، بل هم يقولون فعلا ومستنكرين: من هذا الذي ينتقد النجم، هذه أول مرة نراه ونسمع عنه.

متى سيفرق الناس بين الشهرة والقيمة؟ ومتى سيدرك النجوم المصنوعون من الورق أن هذا المفهوم أكبر منهم بكثير وأن مسؤوليتهم الأولى لو كانوا حريصين على الارتقاء بجمهورهم ألا يسمحوا بغشه وألا يقبلوا بتزييف المصطلحات وأن يكفوا عن التعيش على سذاجة الجمهور وجهله واندهاشه بمن يظهرون كثيراً على الشاشات دون أن يكون لهم أي أثر حقيقي في إضاءة حياة الناس، وبشكل أكثر صراحة: متى سيعرفون أنهم يكرسون مفهوم السذاجة والتسطيح؟

أضف تعليق