منذ قرون، ظلّ اسما كركوز وعيواظ مرتبطين بالبهجة والضحك الشعبي، لكن خلف الكوميديا الساخرة تختبئ طبقات من النقد السياسي والاجتماعي الذي جعل من هاتين الشخصيتين إرثاً فنياً تجاوز حدود المسرح إلى وجدان الناس.

أصل الحكاية

نشأ فن “خيال الظل” في الشرق، ويُرجّح أن شخصية كركوز (كاراغوز) وصديقه عيواظ (حاجي عواظ) برزتا في الأناضول خلال العهد العثماني في القرن السادس عشر. تقول الروايات إن السلطان العثماني مراد الرابع أمر بوقف مسرحية ساخرة لخيال الظل بعد أن رآها تُلهي العمّال عن العمل، لكن الشخصيتين سرعان ما تحوّلتا إلى أيقونتين شعبيتين.

الكوميديا الشعبية

العلاقة بين كركوز وعيواظ تقوم على التناقض:

  • كركوز: رجل عفوي، صريح، سريع الغضب، يطلق النكات بلا حساب.
  • عيواظ: مثقف، هادئ، يحاول تصحيح كركوز، لكنه غالباً ما يفشل أمام تلقائية صديقه.

هذا التناقض خلق مادة غنية للضحك، لكن الضحك لم يكن الهدف الوحيد؛ بل وسيلة ذكية لانتقاد سلوكيات المجتمع والسلطة بشكل غير مباشر.

أداة للنقد

خلال العهد العثماني، كان المسرح وسيلة “خفيفة” لتمرير رسائل خطيرة. عبر حوارات كركوز وعيواظ الساخرة، انتقد الفنانون:

  • فساد بعض المسؤولين.
  • جشع التجار.
  • مظاهر النفاق الاجتماعي.
    وكان الجمهور يتلقّى الرسائل بضحك، لكن المعنى كان واضحاً لكل من يعيش تلك الظروف.

من الماضي إلى الحاضر

رغم تطور الفنون البصرية، بقيت شخصيتا كركوز وعيواظ حاضرتين في الذاكرة الشعبية، خصوصاً في تركيا وسوريا ومصر.
في سوريا مثلاً، شهدت خمسينيات القرن الماضي عروض “خيال الظل” في المقاهي الشعبية بدمشق وحلب، وكان الأطفال والكبار يجلسون معاً ليستمعوا للحوار الساخر.

اليوم، ورغم دخول التلفزيون والسينما والإنترنت، فإن كركوز وعيواظ يمثلان رمزاً لاستمرار الفن الشعبي كسلاح للمقاومة الناعمة ضد القمع والفساد.

رمزية خالدة

السر في خلود هاتين الشخصيتين أن الضحك الذي يثيرانه ليس مجرد ترفيه، بل طريقة للتفريغ النفسي الجماعي.

  • كركوز يمثّل صوت الناس البسطاء.
  • عيواظ يمثل “المثقف” أو “السلطة الأخلاقية”.
    وبين الاثنين تتجسد مفارقة الحياة اليومية بين الفوضى والنظام، بين الصدق والسخرية، بين الشعب والسلطة.

✍️ الخلاصة:
كركوز وعيواظ لم يكونا مجرد عرض خيال ظل، بل لغة كاملة للتعبير الشعبي، وسجلّ حيّ للتناقضات السياسية والاجتماعية. ضحك الناس معهما… لكنهم في الحقيقة كانوا يضحكون عليهم وعلى واقعهم المرير.


أضف تعليق