هناك لحظة في تاريخ الشعوب يتحوّل فيها الرمز إلى ما هو أكبر من نفسه. لحظة يصير فيها العلم وطنًا متنقّلًا، يرفرف فوق المخيمات والقلوب في آن واحد. بالنسبة للسوريين، هذه اللحظة تجسّدت في العلم الأخضر والأبيض والأسود ذو النجوم الحمراء الثلاث. بدأ كعلم الاستقلال، ثم بُعث من جديد كـ”علم الثورة”، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى “علم سوريا” بالنسبة لملايين السوريين في الداخل والشتات.

الجذور التاريخية

هذا العلم لم يولد في 2011. جذوره تعود إلى 17 نيسان/أبريل 1946، يوم الجلاء عن سوريا وخروج آخر جندي فرنسي. يومها، أقرّت الدولة السورية الوليدة العلم الذي يتألف من ثلاثة ألوان (أخضر، أبيض، أسود) مع ثلاث نجوم حمراء ترمز إلى دمشق وحلب ودير الزور، كبرى المحافظات حينها. كان ذلك العلم وعدًا بدولة حرة، لا تنتسب لأي طاغية ولا لتمجيد حزب واحد. (رفع العلم لأول مرة بشكل رسمي في دمشق في 11 يونيو في عام 1932)

لكن هذا الوعد لم يدم طويلًا. مع انقلاب البعث عام 1963، ثم ترسيخ حكم الأسد الأب عام 1970، فُرض علم جديد أخضر-أبيض-أحمر بنجمتين. بدا الأمر تغييرًا بسيطًا في الألوان والنجوم، لكنه في العمق كان إعادة كتابة للذاكرة. صار العلم الجديد رمزًا لسلطة استبدادية أكثر مما صار رمزًا لشعب.

عودة العلم المنسي

حين خرج المتظاهرون في درعا ودوما وبانياس وغيرها في ربيع 2011، لم يكن هناك علم موحّد في البداية. لكن سريعًا، ومع اتساع الثورة، عاد البعض ليرفع علم الاستقلال، العلم الذي ارتبط في الذاكرة الجمعية بيوم الحرية. ومع الوقت، صار المشهد متكرّرًا: عشرات الألوف في ساحات حلب أو إدلب أو حمص يرفعون الراية نفسها، في تحدٍ مباشر لعلم النظام.

أطلق عليه الإعلام اسم “علم الثورة”. لكن ما ميّزه أنه لم يُخترع حديثًا، بل كان استعادة للذاكرة، إعادة وصل بين الماضي (الاستقلال) والحاضر (الحرية).

العلم كهوية بديلة

مع السنوات، ومع قسوة القمع والتهجير، صار العلم أكثر من مجرد رمز احتجاج. تحوّل إلى هوية بديلة.

  • في المخيمات: صار غطاءً للخيام في الزعتري وعفرين والريحانية.
  • في الشتات: رُفع في برلين وباريس ولندن أمام برلمانات العالم.
  • في الرياضة: ارتداه الرياضيون السوريون المستقلون في أولمبياد ريو 2016 وتحت راية اللاجئين.
  • في الفن: ظهر على الجداريات، في الأفلام الوثائقية، وفي رسوم الأطفال الذين لم يعرفوا وطنًا سوى المخيم.

صار العلم بطاقة تعريف: السوري الثائر أو المنفي أو المهاجر صار يُعرف بأنه “ابن العلم الأخضر”.

العلم الذي لفّ الشهداء

هذا ليس علمًا عاديًا. إنه العلم الذي لفّينا فيه أجساد الشهداء.
كان الكفن الوحيد المتاح لضحايا القصف والمجازر، ووسيلة العزاء الوحيدة لعائلات لم تستطع أن تودّع أبناءها كما يجب. صار يحمل معنى أعمق من أي نشيد أو خطاب سياسي. كل خط من خطوطه صار سطرًا في دفتر الدم السوري، وكل نجمة حمراء فيه صارت نجمة شهيد.

هذا هو العلم الذي حملناه في مسيرات الحرية، على الرغم من الرصاص والاعتقالات.
كان كأننا نقول: لسنا عُزّل، فلدينا سلاح أقوى من بنادقهم… لدينا الراية التي لا تموت.

العلم الذي صار طريقًا للحرية

منذ لحظة رفعه الأولى، صار الطريق. ليس الطريق السهل ولا المستقيم، بل طريق الحرية الوعر، المليء بالدموع والمنفى، لكن أيضًا المليء بالأمل.

صار يرافقنا في كل خطوة: على جدران المدارس المدمرة، على دفاتر الأطفال، في مظاهرات المدن الأوروبية، وحتى في مباريات كرة القدم. كل مرة يُرفع فيها، يُعيد تذكيرنا بأن الثورة لم تكن خطأ ولا نزوة، بل كانت صرخة مجتمع بأكمله.

بعد سقوط النظام… علم سوريا الرسمي

اليوم، بعد سقوط النظام، عاد العلم إلى مكانه الطبيعي: علم سوريا الرسمي.
الذي وُصف طويلًا بأنه “علم الثورة” صار العلم الوحيد الذي يمثل السوريين جميعًا. ليس لأنه مفروض، بل لأنه اختير بحرية، ودُفع ثمنه دمًا ومعاناة.

صار يُرفع في المؤسسات، في المدارس، في المظاهرات الاحتفالية، في الأعياد الوطنية. وصار رمزًا لعودة الدولة إلى حضن شعبها، لا إلى قبضة طاغية.

كل مرة يُرفع… يولد إحساس جديد

هناك شيء غريب في هذا العَلم: لا يشيخ. كل مرة يُرفع في مكان جديد يولد شعور جديد.

  • عندما رُفع لأول مرة في الأمم المتحدة، كان كأنه يقول للعالم: ها نحن موجودون رغم كل شيء.
  • وعندما رُفع مؤخرًا في نيويورك، أمام جالية سورية، كان صدى الحرية يتردّد عبر قارات.

كل رفع جديد ليس تكرارًا، بل لحظة ولادة جديدة. كأنه يخبرنا أن الثورة ما زالت حيّة، وأن هذا العلم لم يعد مجرد رمز ماضٍ، بل صار علامة على المستقبل.

في النهاية

هذا العلم لم يعد مجرّد رمز رفعناه في لحظة غضب، ولا مجرد راية لفّت أجساد الشهداء. لقد صار ذاكرة جمعية.
كل بيت سوري يعرف هذا العلم، حتى لو لم يعلّقه. كل طفل في مخيم رسمه على دفتر، وكل مهاجر رفعه في ساحة غريبة، وكل أم بكت وهي تراه يغطي نعش ابنها. صار جزءًا من وجداننا المشترك، يربطنا رغم المسافات والانقسامات.

لكن قوة هذا العلم لا تكمن في الماضي وحده. الخطر أن يتحوّل إلى أيقونة حنين معلّقة على الجدران، بينما الواقع لا يتغيّر.
هنا يبرز التحدي: كيف نحوّل العَلم من مجرد ذاكرة مقاومة إلى جسر لمستقبل دولة؟
عَلم لا يكتفي بأن يكون هوية رمزية، بل يتحوّل إلى مظلة سياسية ودستورية توحّد السوريين من جديد.

إنه امتحاننا الأصعب: هل سنترك العَلم حبيس الذاكرة، أم سنرفعه فوق مؤسسات حقيقية، ودستور عادل، ودولة حرة؟
لأن العلم وحده لا يكفي… لكنه يذكّرنا دائمًا أن الطريق إلى الحرية لم يُغلق بعد.

المطلوب ليس فقط أن نرفع العَلم، بل أن نبني الدولة التي تستحقه.
فقط عندها، يمكن أن نقول بثقة: هذا ليس عَلم الثورة… هذا عَلم سوريا.

أضف تعليق