في «حي بما يكفي»، يكتب علي حميدي الرواية بوصفها شهادة شخصية، ودفتر تنفّس، وامتحان صعب للذاكرة. ليست رواية تُمسك بزخرف الحكاية ولا تسعى إلى البطولة، بل نصّ ينظر في وجه الخراب بلا رمش، ثم يحاول أن يجد مكانًا صغيرًا للحياة بين الشقوق.
البطل هنا لا يحتفل بخروجه من المعتقل. الخروج مجرد بداية صعبة لا نهاية سعيدة. الزمن الحقيقي يبدأ بعد الحرية المفترضة؛ عندما يكتشف الإنسان أن البقاء حيًا لا يعني العودة تلقائيًا إلى الذات، ولا إلى العائلة، ولا حتى إلى الشارع القديم الذي يعرفه.
هذه ليست حكاية عن الثورة فقط، بل عن ما فعلته الثورة بالناس بعد أن اصطدمت بجدران السلطة، وبجدران الخوف، وبجدران داخلية أعمق من كل شيء. والكاتب لا يقدّم «خطابًا» بل يضع القارئ داخل لحم التجربة: بلاطة زنزانة باردة، صوت خطوات الجنود، صمت لا نهاية له، ثم شوارع جديدة تحمل الوجوه نفسها لكن بروح فقدت شيئًا جوهريًا.
لغة حميدي بسيطة، لكنها لا تخجل من القسوة. الجملة قصيرة، كأنها تلهث. المشهد محدود لكن عمقه طويل. لا يهم كم صفحة تقرأ، المهم كم مرّة تتوقف لتلتقط أنفاسك.
وبين توثيق المعتقلات، ورصد التحولات السياسية والاجتماعية، يترك الكاتب مساحة واسعة للحكاية الشخصية — رجفة العلاقة بالأسرة، صراع الحب، وذاك الشعور الطاغي بأن جسدك خرج، لكن جزءًا منك ما زال هناك.
الرواية تطرح سؤالًا ثقيلًا بطريقة خفيفة:
ماذا يعني أن تعود حيًا… لكن بوعي لا يسمح لك بالعودة كما كنت؟
لا تدّعي الرواية أنها «أكبر من الواقع»، بل تعترف أنها قطعة منه، جزء من تاريخ شخصي وجماعي ما زال ينزف. وربما هنا قوتها؛ أنها لا تبحث عن التجريد ولا البطولة الأخلاقية، بل عن ذلك الخيط الرفيع الذي يشد الإنسان يومًا بعد يوم نحو البقاء.
القارئ ينتهي من الرواية بلا انتشاء. هناك وجع ناضج، وإحساس بالثقل، وإدراك قاسٍ:
البقاء نفسه ليس مكسبًا كاملًا… لكنه البداية الوحيدة الممكنة.
حي بما يكفي ليست رواية للراحة. هي رواية للنجاة المتعبة، للحنين الذي لم يعد يعرف طريقه، ولصوت داخلي يقول:
ما زلت هنا… ليس لأنني قوي دائمًا، بل لأنني لم أسقط بما يكفي بعد.
أسلوب علي حميدي في هذه الرواية يمشي على ذلك الخيط الرفيع بين السيرة والتخييل دون أن يسقط في أيّهما بالكامل. كأنه يكتب عن نفسه، ثم فجأة يبتعد خطوة ليذكّر القارئ أن الأدب ليس مرآة صمّاء، بل نافذة تُضاف إليها ظلال من المخيلة. لا يدّعي أنه يدوّن «حقيقة مطلقة»، لكنه يترك للقارئ إحساسًا بأن تلك الحقيقة حدثت فعلًا في مكان ما، لِشخص ما، وربما أكثر من ذلك. التفاصيل الواقعية — الزنزانة، أصوات الليل، هشاشة العلاقات بعد الخروج — تُعطي النص لحمًا حيًا، بينما يأتي الخيال كمساحة ضرورية للتنفس، لتلطيف القسوة أو تكثيفها في لحظات معينة. هذه التقنية تجعل الرواية ليست اعترافًا ولا تقريرًا، بل إعادة تشكيل للذاكرة على طريقة مَن يريد أن يفهم نفسه عبر الحكاية لا عبر الوثيقة، وأن يخون الواقع قليلًا ليكون أكثر صدقًا في التعبير عنه. هذا المزج لا يصنع بطلًا خارقًا، بل إنسانًا مترددًا يكتب ليحمي ما تبقّى منه، ويعرف أن الحقيقة وحدها لا تكفي دائمًا للوصول إلى جوهر الألم.
