كانت تمشي ببطء على أرصفة أمستردام، خطواتها لا تُحدث ضجيجاً، لكنها تترك أثراً ناعماً يشبه الحزن. في مدينةٍ تشتهر برائحة الماريجوانا وبيوتها الضيقة المنتظمة. قنواتها تعكس السماء أكثر مما تعكس الحياة. كانت غريبة، تسكنها رائحةٌ لم يعد أنفها يشمّها. كل شيء في أمستردام بدا نظيفاً، أنيقاً، بارداً. حتى الورود المنتشرة عند النوافذ خالية من الرائحة.
“جميلة أمستردام، لكنها صامتة “، همست في داخلها.
توقفت عند زاوية شارع قديم، قرب جسر صغير. مرّت نسمة رطبة من فوق الماء، تحمل رائحة طين وقهوة هولندية، أغمضت عينيها فجأة، كأنّ نسيماً آخر مرّ بها يوماً في دمشق، حاملاً عبق ياسمينٍ متدلٍ من سور حجري، وصوت أطفال يلعبون، وامرأة تنادي على جارتها من شباك خشبي مفتوح.
في دمشق، الروائح هناك لا تُعبر أنفك وتنتهي فرائحة الفلافل والخبز الشامي علقت في حواسها، وسكنت ذاكرتها.
أما هنا، فالصباح نظيف أكثر مما ينبغي، الجو خالٍ من الرائحة، خالٍ من الضجيج، خالٍ من العشوائية. ومع ذلك، هو أيضاً خالٍ من الدِفء. حياتها في هولندا مرتبة، منظمة، مضمونة من الناحية المادية.
تعلمت اللغة، حصلت على منزل صغير، عملت في أعمال شتى، ضحكت مع الناس، وركبت الدراجة كما يفعل الجميع.
لكن شيئاً واحداً لم تستطع فعله… أن تنتمي لرائحة هذا المكان.
