الكتفين الصغيران اللذان يفترض أن يحملا علبة عصير وقطعة سندويش، صارا اليوم يجرّان خلفهما مكتبة متنقّلة. حقيبة مدرسية منتفخة، تكاد تُسمَع لها أنيناً، ترسو على ظهر طفل لا يتجاوز العاشرة. يمشي كمن يقاوم جاذبية مضاعفة، يميل جسده إلى الأمام، يتلوّى عموده الفقري بصمت فيما يواصل المجتمع رواية الطمأنة القديمة: “كلنا حملنا كتب… وما صار شي!”
لكن العلم لا يجامِل. مراكز تقويم العظام تقرع الجرس منذ سنوات: الوزن الزائد للحقيبة أحد أهم أسباب تشوّهات العمود الفقري عند الأطفال—من انحناءات بسيطة تمرّ بلا انتباه، إلى حالات دائمة تحتاج علاجاً طويلاً. الطفل الذي لا يزال عموده الفقري في مرحلة النمو، يصبح عرضة للضغط المزمن على الفقرات، شدّ عضلي مستمر، وآلام مبكرة لا يفترض أن يعرفها.
المشهد يتكرر كل صباح… طلاب يحملون حقائب تزن أحياناً ربع وزنهم. مدارس لا توفر خزائن. مناهج محشوّة بلا رحمة. وأهالٍ مضطرون للالتزام بما تفرضه المؤسسات التعليمية. المفارقة أن كل التطور التكنولوجي لم يغيّر شيئاً في هذا الطقس البدائي: طفل × حقيبة × ثقل × ألم.
الحديث هنا ليس رفاهية. نحن نتكلم عن صحة ضهر طفل سيصبح شاباً بعد سنوات. نتكلم عن إصابات كان يمكن منعها بقرار إداري بسيط: تخفيف الكتب، تقسيم المواد، توفير خزائن، اعتماد نسخ إلكترونية، أو حتى إعادة التفكير الجدّي في طريقة التعليم نفسها.
هناك طفل يعود كل يوم إلى بيته وهو يجرّ قدميه من الألم. هناك أم تلاحظ ميل كتف ابنها لكنها لا تعرف إن كان “كبره الطبيعي” أم إنذار مبكر. هناك مدرس يراقب طلابه ولا يملك صلاحية التغيير. وهناك مسؤول… يقرأ، يسمع، يرى… لكنه لا يتحرك.
السؤال برسم المسؤولين:
إلى متى سيظل ظهر الطفل هو الذي يدفع ثمن سوء التنظيم؟
وهل ننتظر جيلًا بعمود فقري مُتعب كي نعترف أن الحقيبة المدرسية ليست مجرد حقيبة… بل عبء صنعناه نحن؟
القضية مفتوحة، وثقلها لا يقل عن ثقل تلك الحقائب.
