كواليس بلس_خاص

لم يكن فيلم الابن السيّء مجرد عمل وثائقي عابر، بل مساحة صادقة أسقط فيها المخرج غطفان غنوم تجربته الشخصية والإنسانية خلال سنوات وجوده في سوريا. سنواتٌ عاشها تحت ظل نظام ديكتاتوري أبعده قسراً عن عشقه الأبدي للمسرح، عبر تهمة مفبركة دفعت به إلى الخروج من بلده في رحلة طويلة وموجعة انتهت في فنلندا.

غنوم لم يكن أسير تجربته وحدها، ولم يقع في فخّ الأنا؛ بل سعى لوضع التجربة السورية ضمن سياق عالمي أوسع عبر استعادة نماذج ديكتاتورية مختلفة حول العالم: من استحواذ المرشد الأعلى في إيران على السلطات بعد سقوط الشاه، إلى قبضة نيكولاي تشاوشيسكو الحديدية في رومانيا حتى سقوطه عام 1989، إلى نموذج كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية حيث العزلة والقمع والتلويح ببرنامج نووي مهدِّد. ثم عاد الفيلم ليستحضر التجربة الروسية في صناعة الخوف وتدجين المجتمع، منذ الاتحاد السوفييتي وصولاً إلى روسيا الحديثة.

وفي قلب هذه المقارنات، قدّم غنوم الحكاية السورية بخصوصيتها القاتمة: الأب الذي ورّث الحكم لابنه، في مشهد سياسي يتكرر عبر تاريخ الطغيان. لم يقدّم الفيلم خطاباً سياسياً مباشراً، بل بوحاً شخصياً يلامس حياة كل سوري عاش تحت ثقل القبضة الأمنية. استعاد مجازر حماة 1982، التدخل العسكري في لبنان، الاعتقالات الجماعية، والانتفاضة الشعبية التي انطلقت من درعا – مهد الثورة – حين كُتبت شعارات الحرية على جدران المدارس فكانت الشرارة الأولى.

وأكد الفيلم أن المأساة السورية ليست حدثاً منفصلاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الطغيان العالمي. ركّز على وجوه الناس البسيطة: الأطفال، النساء، والناجين، ليُظهر أن الثورة كانت صرخة مجتمع كامل. ومن أقسى المشاهد الرمزية ظهوره في حمص المدمّرة؛ اللقطة التي وضع فيها غنوم الخراب الهائل مقابل صورة الرئيس وهو يتجوّل بين الركام وكأن شيئاً لم يحدث، مردّداً عباراته الملطخة بدم السوريين: استطعنا التغلب على الإرهاب… وأثبتم ولاءكم للوطن.

على مدى ساعتين ونصف، قدّم غنوم سردية وثائقية مكثّفة دون أن يفقد إيقاعه أو يُتعب المشاهد. كل لقطة حملت معنى، وكل تفصيل روى جزءاً من رحلته الشخصية وصراعه الداخلي وحلمه بالعودة إلى وطنه الأم. وحتى ولادة ابنته عام 2017 بدت كنافذة ضوء أعادت إليه شيئًا من روحه التي أنهكتها الغربة.

الفيلم استطاع أن يجمع معظم السوريين – بمشاربهم المختلفة – على فكرة واحدة واضحة: رفض النظام السابق وممارساته. وأبرز أن الجميع كانوا ضحايا، بلا استثناء. وكشف أن الألم السوري مشترك، وأن الوعي لم يعد قادراً على تجاهل حقيقة الظلم، وأن الصمت لم يعد خياراً أمام قمع دموي بهذا الحجم. ومن رحم هذا الوعي وُلدت الثورة؛ ثورة من أجل الحرية والكرامة والحق في مواجهة ظلم صار إلى زوال محتوم.

لم يكن الاعتراف العالمي بالفيلم أقل أهمية من رسالته. فقد حصد جوائز دولية عديدة، أبرزها:

– جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل في مهرجان سانتا مونيكا – كاليفورنيا (الدورة 19).

– جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان مدينة بالي – إندونيسيا.

– المشاركة في المنافسة على جوائز أفضل وثائقي في مهرجان سكوبيا – مقدونيا.

– الترشّح لجائزة في مهرجان لوس أنجلوس أوارد السينمائي الدولي.

– واختياره للمشاركة في مهرجان أنطاليا – تركيا.

“الابن السيّء” ليس مجرد فيلم عن الماضي، بل شهادة حيّة على معنى أن يبقى الإنسان وفيًا للذاكرة… مهما اشتدّ الظلام.

أضف تعليق