سلوى زهر _ هولندا
عندما وصلت أفواج اللاجئين السوريين إلى أوروبا، لم يكن استقبالهم عشوائياً، بل خضع جميع الوافدين الجدد لقوانين اندماج واضحة وصارمة، وسواء كانوا في هولندا أو فرنسا أو ألمانيا، خضع السوريون لما يُعرف ببرامج الإندماج الإلزامي، التي تُعد شرطاً أساسياً للحصول على شهادة الإندماج، والتي تُمكّنهم لاحقاً من نيل الإقامة الدائمة، ودخول سوق العمل، ومن ثم الحصول على جنسية بلد اللجوء.
التحرر من العقد النفسية المتوارثة
تؤكد الدكتورة الأمريكية (مارييل بوكو Mariel Buqué) في كتابها كسر الحلقة (Break the Cycle)أن التحرر النفسي للفرد من مخاوفه المتوارثة عبر الأجيال هو المدخل الأساسي لأي اندماج إيجابي في الحياة العامة.
فالعقد النفسية غير المعالجة تُشكّل عائقاً حقيقياً أمام الاستقرار والتفاعل الصحي داخل المجتمع.
وإذا ما طُبّقت هذه الفكرة على الإنسان السوري، الذي ورث صراعات تاريخية ودينية وطائفية متراكمة عبر الأجيال، فإن سوريا والسوريين سيبقون يدورون في حلقة مفرغة من الاقتتال والنزاعات، وفقدان الثقة المتبادلة ما لم تُتخذ تدابير اجتماعية جدية لتحرير الروح السورية نفسياً من إرث الخوف والانقسام.
ما حدث في أوروبا يُقدّم نموذجاً عملياً مهماً؛ فرغم مخاوف السوريين من بعضهم البعض، ورغم كل ما يحملوه من صدمات نفسية وتجارب قاسية، استطاع القانون أن يوحّدهم، كما وحّدتهم المصلحة المشتركة. فتعلّموا اللغة، واندفعوا إلى سوق العمل، واندمجوا في المجتمع الأوروبي، وتعاملوا مع بعضهم البعض رغم حجم القلق والرعب المتراكم عبر سنوات طويلة.
الإنسانية لا دين لها
في سوريا الجديدة، لا يمكن قتل جميع العلويين، ولا يمكن إقصاء الفئات الرمادية التي التزمت الحياد خلال الثورة السورية، وإلا فإن أوروبا ستكون أمام موجة لجوء جديدة للأقليات، وهو أمر لا تريده الدول الأوروبية. لذلك، لا بد من إنشاء مؤسسات متخصصة في التأهيل النفسي والإجتماعي لجميع الأفراد الذين كانوا جزءاً من المؤسسة العسكرية، سواء أكانوا مجنّدين أم متطوعين.
كثيرون من هؤلاء لم ينخرطوا في المؤسسة العسكرية ليصبحوا قتلة، بل لأن نظام الأسد أغلق في وجوههم كل سبل العيش الكريم. فأبناء اللاذقية وأبناء الأرياف الساحلية الجبلية أُجبروا في مراحل معينة من حياتهم على الإنضمام إلى المؤسسة العسكرية، أو الحزبية لتأمين مصدر رزق لعائلاتهم، في ظل غياب أي بدائل اقتصادية أو تعليمية حقيقية.
دور المنظمات الدولية
لا يمكن للحكومة الوليدة التي تعيش في بلداً منهاراً على كافة الأصعدة أو لهيئة واحدة علاج هذا الموروث الثقيل، لذلك لا
عيب في أن تطلب الدولة المساعدة من المنظمات الأوروبية الفاعلة في المجال الإنساني، لمساعدتها في إعادة تأهيل السواد الأعظم من الشباب السوري نفسياً واجتماعياً، بهدف دمجهم في المجتمع السوري الجديد القائم على الحب وتقبل الآخر، تماماً كما فعلت أوروبا مع اللاجئين السوريين ومعظم الوافدين إليها، وحوّلتهم إلى قوة اقتصادية فاعلة داخل مجتمعاتها.
فبناء دولة إنسانية مستقرة لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الانتقام، أو التفرد بإدارة سوريا، كما لا يمكن إلغاء طائفة أو فئة كاملة من الحياة العامة. فالعدالة لا تعني العقاب الجماعي، والمصالحة لا تعني الإفلات من المحاسبة، لكن تجاهل هذا الملف أو التعامل معه بعقلية الثأر سيقود حتماً إلى مزيد من العنف والانقسام، ويقوّض أي فرصة حقيقية لبناء سوريا جامعة لكل أبنائها.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن على السلطة السورية الجديدة سَنّ قانون وطني للتأهيل النفسي والاجتماعي، يُفعَّل عبر الإعلام والمؤسسات التربوية والثقافية، إذ لا تملك هذه السلطة خياراً بديلاً عن النجاح. فنجاحها مرهون بقدرتها على استيعاب جميع فئات الشعب، وتعزيز ثقة السوريين بأنفسهم أولاً، تمهيداً لإطلاق مسيرة بناء وطنية قوية ومستدامة.
