كاترين الخوري _ دمشق

بين صوتٍ صلّى للوجع، وقلبٍ كُسر على فقد الابن، تقف فيروز اليوم في المسافة الأشد قسوة مسافة الأم التي غنّت الحزن يوماً، ثم عاشت معناه كاملاً.

برحيل زياد الرحباني، لا تفقد فيروز ابناً فحسب، بل تفقد جزءاً من صوتها الداخلي، من زمنها ومن مراياها الكثيرة التي كانت ترى فيها لبنان والناس ونفسها.

زياد لم يكن مجرّد موسيقي أو كاتب أو ابنٍ بار، بل كان الامتداد المختلف لفيروز: تمردها، أسئلتها، وجرأتها على كسر القوالب.

في هذا المشهد، تعود ترتيلة (أنا الأم الحزينة) لتخرج من إطارها الكنسي، وتتحوّل إلى سيرة شخصية، كلمات كانت فيروز قد أنشدتها بصوتٍ سماوي، كأنها صلاة بعيدة، أصبحت اليوم مرآة لواقعٍ تعيشه بكل تفاصيله لم تعد الترتيلة استعارة، بل حقيقة.

المفارقة المؤلمة أن فيروز، التي علّمت أجيالاً كيف يمكن للحزن أن يكون جميلاً، تواجه اليوم حزناً بلا موسيقى بفقدان هلي ابنها الثاني، كان هو الذي أعطاها نبرة أخرى، موجعة أكثر، إنسانية أكثر، ومع رحيله، يسقط صوتٌ من داخل صوتها.

ليست هذه المرّة الأولى التي تلامس فيها فيروز الفقد، لكنها المرّة الأشد خصوصية ففقد الابن لا يُغنّى، لا يُمثَّل، ولا يُختصر بكلمات هو صمتٌ طويل.

هكذا تصبح (أنا الأم الحزينة) ليست مجرد ترتيلة في أرشيف فيروز، بل شهادة مسبقة على قدرٍ قاسٍ. كأن فيروز بصوتها، كانت تهيّئ نفسها لهذا الامتحان منذ سنوات دون أن تدري.

فيروز اليوم لا تحتاج أن تغنّي يكفي أنها عاشت ما غنّت، وأن صوتها، الذي طالما عزّى الآخرين، يقف الآن وحيداً، مكسوراً، وصادقًا أكثر من أي وقت مضى.

أضف تعليق