كاترين الخوري
في تجربة مسرحية مكثفة تختصر وجع السوريين وتحول الألم إلى فعل فني، جاءت مسرحية “منمنمات“ لتقدم قراءة إنسانية لما عاشه الشعب السوري خلال سنوات العذاب، العرض لا يكتفي بسرد الأحداث، بل ينسجها في لوحات متتابعة أشبه بـ”منمنمات” صغيرة، كل واحدة منها تختزن حكاية، وجرحاً، وذاكرة.

ينطلق العمل من مبدأ تصوير العذاب الذي عاشته سوريا، عبر بنية زمنية مدروسة تتوزع بين فترات متفاوتة؛ لوحات تعود إلى ما قبل ثلاثة أشهر، وأخرى تأتي بعدها، في محاولة لإظهار التحولات النفسية والاجتماعية التي طرأت على الشخصيات، هذا التلاعب الزمني لم يكن عشوائياً، بل جاء بخط واضح ومتماسك قاده الممثل هاني الأطرش، الذي لعب دور مخرج العرض ، فحرص على الحفاظ على تسلسل التجربة الشعورية لدى الجمهور.
تستند “منمنمات” إلى رابطة درامية عميقة، تُطرح عبر سؤال افتراضي: ماذا لو كان ابن بطوطة هنا في سوريا بهذا الوقت ماذا كان سيكتب عن الشعب؟ هنا يتحول النص إلى مساحة مواجهة، من الاحتلال إلى التحرش، ومن القهر السياسي إلى الانتهاك الاجتماعي، وفي أحد المونولوجات اللافتة، يتجسد صوت يطلب الطاعة ويكره الحرية، في تعبير صريح عن أنظمة القمع التي لا ترى في الإنسان سوى تابعٍ منزوع الإرادة.
العمل يمزج بين قصص حقيقية وأخرى من الخيال، في توليفة تجعل المشاهد غير قادر أحياناً على الفصل بين الواقع والخيال، لأن الألم في الحالتين واحد فالمسرحية لا تدّعي توثيقاً حرفياً، بل تقدم معالجة فنية تنبع من التجربة الجماعية، وتعيد صياغتها بلغة مسرحية مكثفة.
لكن الجملة الأبرز التي تختصر روح العرض كانت: المهم الرحلة وليس العرض.
فـ”منمنمات” لا ترى في الصعود إلى الخشبة غاية بحد ذاتها، بل تعتبر أن الأهم هو الرحلة النفسية التي عاشها المشاركون خلال التحضير، الرحلة هنا فعل شفاء، ومحاولة لفهم الذات وسط الركام، المسرح يتحول إلى مساحة اعتراف، وإلى مرآة تعكس الداخل قبل أن تعرضه أمام الجمهور.
وتحمل المسرحية في طياتها عبارة أخرى “نحن ولاد بطوطة“، في إشارة إلى شعب اعتاد الترحال القسري، والتنقل بين الألم والأمل.

ومع كل هذا العذاب، يبقى هناك انتماء متجذر، لا تقتلعه المحن فالمعاناة رغم قسوتها، صنعت حالة من التماسك الداخلي، وأكدت أن الهوية ليست مجرد مكان، بل تجربة مشتركة.
“منمنمات” ليست عرضاً عادياً، بل شهادة فنية على مرحلة، ومحاولة لقول ما عجزت عنه الكلمات المباشرة إنها دعوة للتأمل في الرحلة الإنسانية، حيث يصبح المسرح مساحة مقاومة، والذاكرة فعلاً من أفعال البقاء.
يذكر أن المسرحية من إخراج: فرح الدبيات، ساري المصطفى.
